مستلزم لقلب الحقائق فانّ الممكن اذا ترقّى وانخلع من امكانيّته يصير واجبا البتّة وذلك محال عقلا وشرعا وما قاله واحد من الاعزّة (شعر)
لو نفض الممكن اغبرة الامكان ... لا يبقى سوى واجب
محمول على التّمثيل والتّشبيه لا على التّحقيق والتّقرير فانّه غير واقع قال واحد من الاعزّة (شعر)
سواد الوجه في الدارين صاح ... من المخلوق اصلا لا يزول
(فإن قيل) انّ بقاء احكام الامكان وآثاره ظاهر في مقام"قاب قوسين"فانّ قوس الوجوب وقوس الامكان كليهما قائمان فيه وامّا مقام"او ادنى"الذى هو بالاصالة مخصوص به صلّى الله عليه وسلّم فما معنى بقاء احكام الامكان فيه (قلت) انّ ما به الامتياز بين الوجوب والامكان هو العدم الذى هو احد طرفى الامكان فانّ الطّرف الآخر من الامكان الذى هو الوجود مشترك بين الوجوب والامكان وفي مقام"او ادنى"تشرع احكام تلك العدم في الزّوال فيرتفع الامتياز من بين القوسين لا انّ الامكان يرتفع بالكلّيّة وينقلب وجوبا فانّه محال كما مرّ وانّما الفرق انّ في مقام " قاب قوسين لا تخلّص من الحجب الظّلمانيّة الّتى هى من آثار العدم وفي مقام"او ادنى"لو وجدت الحجب فهى نورانيّة وناشئة من طرف الوجود الامكانىّ ويمكن حمل معنى ذلك البيت الذى مرّ على هذا التّوجيه بان يراد من نفض غبار الامكان زوال احكام العدم الّتى هى كدورة بالكلّيّة (فإن قيل) اذا زال طرف العدم عن الامكان وارتفع ما به الامتياز من بين الوجوب والامكان ولم يبق فيه غير الوجود الذى هو طرف آخر من الامكان وقدر مشترك بينه وبين الوجوب فقد انخلع الامكان عن حقيقته وصار ملحقا بالوجوب الذى هو الوجود الصّرف ولزم قلب الحقيقة وكان معنى البيت المذكور اعنى لم يبق فيه شيء غير الواجب محمولا على حقيقته (قلت) انّ الوجود الذى هو احد طرفى الامكان ظلّ الوجود الذى هو ثابت في الوجوب لا عينه وذاك الوجوب الذى حدث في الممكن بسبب زوال طرفه العدم هو وجوب بالغير الذى هو قسم من الممكن لا وجوب بالذّات حتّى يلزم انقلاب الحقيقة وذلك لانّ ارتفاع هذا العدم ما جاء من جهة الممكن حتّى يصير واجبا بالذّات ويلزم المحال بل ارتفاع هذا العدم من الممكن انّما هو لاستيلاء وجود الواجب وقهر الوجوب الذّاتىّ للممكن الذّاتىّ والمتبادر من الوجوب المذكور في المصراع السّابق هو الوجوب الذّاتىّ لا الوجوب بالغير والقول بكون الوجود قدرا مشتركا بين الواجب والممكن فهو من قبيل الاشتراك اللّفظىّ لا المعنوىّ وان قالوا انّه كلّىّ مشكّك فانّه لا شركة لوجود الممكن مع وجود الواجب في الحقيقة اصلا حتّى تتصوّر الكلّيّة والجزئيّة (فإن قيل) فما معنى الفناء والبقاء اللّذين قال بهما الصّوفيّة وجعلوا الولاية عبارة عنهما فانّه اذا لم يتصوّر ارتفاع الصّفات البشريّة كيف يتصوّر الفناء (قلت) انّ الفناء الذى هو معتبر في الولاية باعتبار الشّعور والشّهود فانّه عبارة عن نسيان ما سوى الحقّ سبحانه لا ارتفاع ما سواه غاية ما في الباب انّ صاحب ذلك الفناء ربّما يظنّ في غلبات السّكر عدم الشّعور بالاشياء عدم الاشياء ويتوهّمه ارتفاع ما سواه تعالى ويتسلّى بذلك فاذا ترقّى من ذلك بمحض فضله تعالى"