فهرس الكتاب

الصفحة 121 من 1087

(أيّها الولد) إنّ الأمر والحزم هو الإجتناب عن فضول المباحات والإكتفاء بقدر الضّرورة، وأن يكون هو أيضا بنيّة حصول القوّة والجمعيّة لأداء وظائف العبوديّة، فإنّ المقصود من الأكل مثلا هو حصول القوّة على أداء الطّاعة ومن لبس اللّباس ستر العورة ودفع الحرّ والبرد، وعلى هذا القياس سائر المباحات الضّروريّة. واختار أكابر النّقشبنديّة قدّس الله أسرارهم العليّة العمل بالعزيمة واجتنبوا من الرّخصة مهما أمكن ومن جملة العزائم الإكتفاء بقدر الضّرورة فإن لم تتيسّر هذه الدّولة ينبغي أن لا يخرج من دائرة المباحات إلى حدّ المشتبهات والمحرّمات، ولقد أباح الله سبحانه بكمال كرمه تنعّمات كثيرة على الوجه الأتمّ وجعل دائرة هذه التّنعّمات واسعة جدّا، ومع قطع النّظر عن هذه التّنعّمات أيّ عيش يساوي رضا مولى العبد بأفعاله وأيّ جفاء يشبه بسخط سيّده على أعماله رضاء الله في الجنّة خير من الجنّة وسخط الله في النّار شرّ من النّار والإنسان عبد محكوم بحكم لم يجعله المولى ولده ولم يتركه سدى حتّى يتهافت على كلّ ما يشاء فينبغي التّفكّر وإعمال القلب، ولا يحصل غدا شيء غير النّدامة والخسارة، وقت العمل إنّما هو عهد الشّباب، والعاقل من لا يضيّع هذا الوقت ويغتنم الفرصة فإنّ الأمر مبهم فعساه أن لا يبقى إلى زمن الشّيخوخة ولئن بقي فلعلّه لا تتيسّر له الجمعيّة ولئن تيسّرت فلعلّه لا يقدر على العمل في أوان استيلاء الضّعف والعجز. والحال أنّ أسباب الجمعيّة كلّها متيسّرة الآن ووجود الوالدين أيضا من إنعامات الحقّ سبحانه فإنّ همّ معيشتك على ذمّتهم والموسم موسم الفرصة وزمان القوّة والإستطاعة فبأيّ عذر يمكن أن يؤخّر شغل اليوم إلى غد ويختار التّسويف قال عليه الصّلاة والسّلام: «هلك (1) المسوّفون""

نعم إذا أخّرت المهمّات الدّنيويّة الدّنيّة إلى غد لأجل الإشتغال بأمور الآخرة في اليوم يكون مستحسنا جدّا كما أنّ عكسه مستقبح جدّا، وفي هذا الوقت الّذي هو عنفوان الشّباب ووقت استيلاء أعداء الدّين من النّفس والشّيطان لعمل قليل من الإعتبار ما ليس ذلك في غير هذا الوقت لأضعاف مضاعفة، كما أنّ في القاعدة العسكريّة للعساكر"الشّجعان أقوياء الجنان"اعتبار زائد وقت استيلاء الأعداء حتّى يعتبر منهم في ذلك الوقت عمل يسير وثبات قليل ويكون ذلك منظورا، ولا يكون مثل هذا الإعتبار وقت الأمن من شرّ الأعداء.

(أيّها الولد) إنّ المقصود من خلق الإنسان الّذي هو خلاصة الموجودات ليس هو اللهو واللّعب ولا الأكل والنّوم، وإنّما المقصود منه أداء وظائف العبوديّة والذّلّ والإنكسار والعجز والإفتقار ودوام الإلتجاء والتّضرّع إلى جناب قدس الغفّار جلّ سلطانه والعبادات الّتي الشّرع المحمّديّ ناطق بها المقصود من أدائها منافع العباد ومصالحهم ولا يعود منها شيء إلى جناب قدسه عزّ شأنه، فينبغي إذا أداؤها بغاية

(1) (قوله هلك المسوفون) قيل لم يوجد بهذا اللفظ وقد روى الديلمى في مسند الفردوس عن عبد الرحمن ابن عوف بلفظ التسويف شعار الشيطان يلقيه في قلوب المؤمنين وعن ابن عباس رض بلفظ اياك والتسويف بالتوبة والبخارى في التاريخ عن عكرمة مرسلا والخطيب عن ابى هريرة رض بلفظ لعن الله المسوفات. (القزاني رحمة الله عليه)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت