سبيل التّنزّل فإن لم ينفع شخصا لعلّه ينفع آخر. (السّؤال الأوّل) ما السّبب في كثرة ظهور الكرامات وخوارق العادات من الأولياء المتقدّمين وقلّة ظهورها من أكابر هذا الزّمان؟ فإن كان المقصود من هذا السّؤال نفي أكابر هذا الزّمان بواسطة قلّة ظهور الخوارق منهم، كما هو المفهوم من فحوى العبارة فالعياذ بالله سبحانه من تسويلات الشّيطان. فإنّ ظهور الخوارق ليس من أركان الولاية ولا من شرائطها بخلاف المعجزة من النّبيّ عليه الصّلاة والسّلام فإنّها من شرائط مقام النّبوّة، ومع ذلك انّ ظهور الخوارق من أولياء الله تعالى شائع ذائع قلّما يتخلّف عنهم. ولكنّ كثرة ظهور الخوارق لا تدلّ على الأفضليّة، فإنّ التّفاضل هناك باعتبار درجات القرب الإلهيّ جلّ سلطانه، بل يمكن أن يكون ظهور الخوارق من الوليّ الأقرب أقلّ ومن الأبعد أكثر. ألا ترى أنّ الخوارق الّتي ظهرت من بعض أولياء هذه الأمّة لم يظهر عشر عشيره من الأصحاب الكرام رضوان الله عليهم أجمعين مع أنّ أفضل الأولياء لا يبلغ مرتبة أدنى الصّحابة.
فالنّظر إلى ظهور الخوارق من قصور النّظر ودليل على قصور الإستعداد التّقليديّ، والمستحقّ لقبول فيوض النّبوّة والولأية جماعة غلّب فيهم الإستعداد التّقليديّ على قوّتهم النّظريّة والصّدّيق الأكبر رضي الله عنه بواسطة قوّة استعداده التّقليديّ لم يحتج في تصديق النّبيّ عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام إلى قول"لم"أصلا وأبو جهل اللّعين بواسطة قصور هذا الاستعداد فيه لم يتشرّف بتصديق النّبوّة مع وجود ظهور آيات باهرة ومعجزات قاهرة وقال الله في شأن هؤلاء المنكرين المحرومين"وإن يروا كلّ آية لا يؤمنوا بها حتّى إذا جاؤك يجادلونك يقول الّذين كفروا إن هذا الّا أساطير الأوّلين"على أنّا نقول: إنّ ظهور الخوارق لم ينقل من أكثر المتقدّمين في طول عمرهم أزيد من خمسة أو ستّة خوارق حتّى أنّ الجنيد سيّد هذه الطّائفة لم يدر هل نقل عنه عشرة خوارق أو لا، ولقد أخبر الله سبحانه عن حال كليمه على نبيّنا وعليه الصّلاة والسّلام بقوله عزّ من قائل"ولقد آتينا موسى تسع آيات بيّنات"ومن أين يعلم عدم ظهور أمثال هذه الخوارق من مشائخ هذا الوقت بل لأولياء الله تعالى متقدّميهم ومتأخّريهم في كلّ ساعة ظهور خوارق يعرفها المدّعي أم لا، (شعر) :
ما ضرّ شمس الضّحى في الافق طالعة ... أن لا يرى ضوءها من ليس ذا بصر
(والثّاني) أنّه هل يكون لالقاء الشّيطان دخل في كشف الطّالبين الصّادقين وشهودهم فإن كان فيماذا يعلم ويتّضح أنّه كشف شيطانيّ وإن لم يكن فما السّبب في وجود الغلط في بعض الامور الملهمة (والجواب) الله أعلم بالصّواب لا أحد محفوظ من القاء الشّيطان كيف وإذا كان ذلك متصوّرا في الأنبياء بل متحقّقا فبالطّريق الأولى أن يكون في الأولياء ومن هو الطّالب الصّادق بعد. (غاية) ما في الباب أنّ الأنبياء ينبّهون على هذا الإلقاء ويميّز الباطل من الحقّ قوله تعالى (فينسخ الله ما يلقى الشّيطان ثمّ يحكم الله آياته) تنبيه دالّ على هذا المعنى وليس هذا التّنبيه بلازم في الأولياء فإنّهم تابعون للنّبيّ فكلّما وجدوه