فهرس الكتاب

الصفحة 241 من 1087

وتفاضل أقدام أهل الله بعضها على بعض، وتفاوتها إنّما هو باعتبار طيّ هذه المراتب الشّتّى على تفاوت الإستعدادات والقابليّات، والواصلون إلى نفس الإسم قليلون من الأولياء فإنّ أكثرهم واصلون إلى ظلّ من ظلال ذلك الإسم بعد أن عرجوا من المراتب الإمكانيّة بأسرها بطريق السّير والسّلوك التّفصيليّ، وقد يتوهّم الوصول إلى ذلك الإسم في طريق الجذبة الصّرفة أيضا لكنّه لا يعتبر ولا يعتدّ به، والّذين عرجوا من ذلك الإسم وقطعوا المراتب المتفاوتة قلّت أو كثرت فهؤلاء أقلّ قليل منهم ولنرجع إلى أصل الكلام ونقول كما أنّ حقيقة الشّخص تطلق على التّعيّن الوجوبيّ كذلك يطلق على تعيّنه الإمكانيّ. فإذا علمت هذه المقدّمات أقول إنّ محمّدا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مركّب من عالم الخلق وعالم الأمر كتركّب كافّة الأنام منهما، والإسم الإلهيّ الّذي هو ربّ عالم خلقه شأن العليم، والّذي يربّي عالم أمره المعنى الّذي هو مبدأ وجود ذلك الشّأن الاعتباريّ كما مرّ والحقيقة المحمّديّة عبارة عن شأن العليم، والحقيقة الأحمديّة كناية عن ذلك المعنى الّذي هو مبدأ ذلك الشّأن وحقيقة الكعبة السّبحانيّة هي أيضا عبارة عن ذلك المعنى، والنّبوّة الّتي كانت حاصلة لنبيّنا قبل خلق آدم عليهما الصّلاة والسّلام كما أخبر عنها النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم حيث قال: كنت نبيّا وآدم بين الماء والطّين. كانت باعتبار الحقيقة الأحمديّة الّتي لها تعلّق بعالم الأمر وبهذا الإعتبار بشّر عيسى على نبيّنا وعليه الصّلاة والسّلام حيث كان كلمة لله تعالى وكانت مناسبته بعالم الأمر أزيد بقدوم نبيّنا عليه الصّلاة والسّلام باسم أحمد حيث قال:"ومبشّرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد». والنّبوّة الّتي لها تعلّق بالنّشأة العنصريّة إنّما هي باعتبار الحقيقة المحمّديّة بل باعتبار الحقيقتين وربّه في هذه المرتبة ذاك الشّأن ومبدؤه. ولهذا كانت دعوة هذه المرتبة أتمّ من المرتبة السّابقة فإنّ دعوته في تلك المرتبة كانت مخصوصة بعالم أمره، وتربيته كانت مقصورة على الرّوحانيّين وفي هذه المرتبة دعوته شاملة للخلق والأمر، وتربيته مشتملة على الأرواح والأجسام غاية ما في الباب أنّ نشأته العنصريّة كانت في هذه النّشأة غالبة على نشأته الملكيّة عليه الصّلاة والسّلام وذلك لتحصل زيادة المناسبة بالخلائق الّتي هي سبب الإفادة والإستفادة فإنّ جانب البشريّة غالب فيهم، ولهذا أمر الحقّ سبحانه حبيبه الأكرم صلّى الله عليه وسلّم بإظهار بشريّته بآكد الوجوه حيث قال: «قل إنّما أنا بشر مثلكم"الآية وإتيان لفظ مثلكم لتأكيد البشريّة وبعد ارتحاله صلّى الله عليه وسلّم من النّشأة العنصريّة غلب جانبه الرّوحانيّ، وأخذت مناسبته البشريّة في النّقصان وظهر التّفاوت في نورانيّة الدّعوة، قال بعض الأصحاب الكرام: «وجدنا (1) التّفاوت في قلوبنا ولم نفرغ بعد من دفنه صلّى الله عليه وسلّم"نعم قد تبدّل الإيمان الشّهوديّ بالإيمان الغيبيّ، وانجرّت المعاملة من العيان إلى السّماع ولمّا مضت من رحلته صلّى الله عليه وسلّم ألف سنة وهي مدّة مديدة وأزمنة متطاولة يعني ولها تأثير في تغيّر الامور العظام وتبدّلها غلب جانب روحانيّته على نهج جعل جانب بشريّته متلوّنا بلونه بالتّمام، وصيّر عالم الخلق"

(1) اخرج الدارمى والترمذي في الشمائل عن انس رضى الله عنه ما نفضنا ايدينا عن التراب وانا لفى دفنه حتى انكرنا قلوبنا منه (القزاني رحمة الله عليه)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت