منصبغا بصبغ عالم الأمر، فما كان من عالم خلقه صلّى الله عليه وسلّم راجعا إلى حقيقته، يعني الحقيقة المحمّديّة عرج إلى الحقيقة الأحمديّة والتحق بها بالضّرورة واتّحدت الحقيقة المحمّديّة بالحقيقة الأحمديّة. والمراد بالحقيقة الأحمديّة والحقيقة المحمّديّة هنا تعيّنه الخلقيّ والأمريّ الإمكانيّان لا الوجوبيّ الّذي تعيّنه الإمكانيّ ظلّه فإنّه لا معنى لعروج التّعيّن الوجوبيّ ولا يتعلّق الإتّحاد بذلك التّعيّن فإذا نزل عيسى على نبيّنا وعليه الصّلاة والسّلام واتّبع شريعة خاتم الرّسل عليه الصّلاة والسّلام يعرج عن مقام نفسه ويصل إلى مقام الحقيقة المحمّديّة بالتّبعيّة ويقوّي دينه عليه الصّلاة والسّلام. ومن ههنا ينقل عن شرائع من قبلنا أنّه كلّما تقادم العهد برسول من الرّسل أولي العزم بأن قضى ألف سنة من ارتحاله، كان يبعث من الأنبياء الكرام والرّسل العظام من يقوّي شريعة ذلك النّبيّ ويعلي كلمته. فإذا تمّت دورة دعوته كان يبعث غيره من أولي العزم ويجدّد شريعة نفسه، ولمّا كانت شريعة نفسه، ولمّا كانت شريعة خاتم الرّسل عليه وعليهم الصّلاة والسّلام محفوظة من النّسخ والتّبديل أعطي علماء أمّته حكم الأنبياء وفوّض إليهم أمر تقوية الشّريعة وتأييد الملّة، ومع ذلك تروّج شريعته بجعل واحد من الرّسل أولي العزم متّبعا له قال الله تعالى: «إنّا نحن نزّلنا الذّكر وإنّا له لحافظون» .
اعلم أنّ الأولياء الّذين يظهرون من أمّته صلّى الله عليه وسلّم بعد مضيّ ألف سنة من ارتحاله صلّى الله عليه وسلّم يكونون أكمل. وإن كانوا أقلّ ليحصل تقوية الشّريعة على الوجه الأتمّ، ولهذا يكون مجيء المهديّ الّذي بشّر خاتم الرّسل عليه وعليهم الصّلاة والسّلام بقدومه المبارك بعد مضيّ ألف سنة وكذلك عيسى على نبيّنا وعليه الصّلاة والسّلام ينزل بعد ألف سنة. وبالجملة انّ كمالات أولياء هذه الطّبقة شبيهة بكمالات الأصحاب الكرام عليهم الرّضوان وإن كان الفضل بعد الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام للأصحاب الكرام ولكن يكاد لا يفضّل أحدهما على الآخر من كمال التّشابه. ولعلّ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال لاجل هذا"أمّتي مثل المطر لا يدرى أوّله خير أم آخره». ولم يقل لا أدري أوّلهم خير أم آخرهم، لعلمه بحال كلّ من الفريقين ولهذا قال: «خير (1) القرون قرني"ولكن لمّا كان من كمال التّشابه محلّ تردّد يعني في تفضيل أحدهما على الآخر بالنّسبة إلى غيره صلّى الله عليه وسلّم قال: «لا يدرى» .
(فإن قيل) : قد حكم النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم بخيريّة قرن التّابعين بعد قرن الصّحابة، وخيريّة قرن تبع التّابعين بعد قرن التّابعين، فتكون خيريّة هذين القرنين من هذه الطّبقة أيضا متيقّنة فما يكون تشابه هذه الطّبقة بالأصحاب الكرام في الكمالات (أجيب) يمكن أن تكون خيريّة هذين القرنين من هذه الطّبقة
(1) رواه أحمد والترمذي عن انس رضى الله عنه وأحمد عن عمار رضى الله عنه وباو يعلى عن على رضى الله عنه والطبرانى عن ابن عمر وابن عمرو واخرج ابن عساكر عن عمرو بن عثمان رضى الله عنه مرسلا بلفظ امتى مباركة لا يدرى اولها خيرا وآخرها (القزاني رحمة الله عليه)