رأى نفسه في الدّجلة ورأى جميع أثوابه الّتي كان وضعها في أوّل مرّة بساحل الدّجلة على حالها فلبس ثيابه وجاء منزله فقالت له امرأته: الطّعام الّذي أمرت بطبخه للضّيوف حاضر إلى آخر القصّة. (أيّها المخدوم) المكرّم إنّ أشكال هذه الحكاية ليس من جهة حصول أمور سنين في ساعة واحدة فإنّ أمثال هذه المعاملة كثيرة الوقوع ومن جملتها معراج خاتم الرّسل صلّى الله عليه وسلّم فإنّه حين رجع إلى مكانه بعد طيّ معارج العروج وقطع مسافة منازل الوصول الّذي يتيسّر في ألوف من السّنين، يعني عادة رأى (1) أنّ حرارة فراشه باقية على حالها ولم يسكن الماء الّذي ملأه في الأبريق للوضوء عن حركته ووجهه ما ذكره في النّفحات من أنّه من قبيل بسط الزّمان وإنّما أشكال هذه الحكاية من جهة كون هذه المدّة آنا واحدا في بغداد ويحصل لهذا الآن امتداد بمصر إلى سبع سنين. فإذا كان التّاريخ الهجريّ بالنّسبة إلى أهل بغداد مثلا ثلثمائة وستّين سنة في ذلك الوقت ينبغي أن يكون بالنّسبة إلى أهل مصر في عين ذلك الوقت ثلثمائة وسبع وستّين سنة وهذا المعنى ممّا لا يجوّزه العقل ولا يسعه النّقل وهذه المعاملة وإن كانت مجوّزة بالنّسبة إلى شخص أو شخصين ولكنّها بالنّسبة إلى بلاد مختلفة وأمكنة متعدّدة محال.
وما يخطر في خاطر هذا الحقير الكليل هو أنّ هذه الحكاية ما وقعت في عالم اليقظة بل هي من قبيل الرّؤيا والواقعات واشتبه الرّؤيا بالرّؤية للمستمع والتبس له النّوم باليقظة، وهذا القسم من الإشتباه كثير الوقوع بل من مظان الإشتباه كون رؤيته وقصّته على شيخه ومجيئه بأولاده إليه في المنام والحكاية الّتي نقلها عن الشّيخ محي الدّين بن عربيّ قدّس سرّه بعد هذه الحكاية هي أيضا من هذا القبيل، والله سبحانه أعلم بحقيقة الحال والله أعلم بحقيقة الامور كلّها. والتمست أيضا شرح هذه العبارة أنّ مربّي الجسد هو الرّوح، ومربّي القالب هو القلب. (أيّها المخدوم) إنّ مؤدّى هاتين العبارتين واحد وهو بيان حصول التّربية لعالم الخلق الإنسانيّ من عالمه الأمريّ، ولمّا كان وقوع لفظ الجسد مقرونا بلفظ الرّوح في الإطلاقات والمحاورات ووقعت المناسبة اللّفظيّة بين القالب والقلب وقع اختيار تعيين العبارة لجمع كلّ بما يناسبه. (وصدر) أيضا طلب النّصائح (أيّها المخدوم) يمنعني الحياء من أن أكتب شيئا من هذا الباب مع وجود جميع الخرابات والتّعلّقات والتّلوّثات وقلّة البضاعة وعدم الحاصل وأن أرقم من هذه المقولة حرفا بالتّصريح أو بالإشارة، ولكن أخاف من أن أنسب إلى الخسّة والدّناءة والضّنّ والبخل لو أمسكت عن القول المعروف وصنت نفسي عن ذلك فبناء على ذلك أجترئ على تحرير كلمات.
(1) (قوله رأى ان حرارة فراشه باقية على حالها الخ) قيل مجرد حديث المعراج يكفى لاثبا المدعى واما مذا ذكر فلم يثبت قال في تاريخ الخميس وفى زين القصص عن عمار كان ذهابه ومجيئه ثلاث ساعات وعن وهب ابن منبه ومحمد ابن اسحاق في اربع ساعات وفى كلام السكى كان قدر لحظة ولا بدع لان الله تعالى قد يطيل الزمان القصير كما يطوى الطويل لمن يشاء الخ قلت وهذا الكلام مما يثلج له لا صدر والتقدير بالساعة لا يخفى تكلفه وتعسفه (القزاني رحمة الله عليه)