فهرس الكتاب

الصفحة 246 من 1087

أيّها المخدوم إنّ بقاء الدّنيا قليل جدّا وقد تلف الأكثر من هذا القليل أيضا وزال وبقي الأقلّ. ومدّة الآخرة باقية ودائمة وجعلت معاملة الأبد والخلود مربوطة ببقاء أيّام معدودة وبعدها إمّا تنعّم أبديّ أو عذاب سرمديّ. أخبر بذلك المخبر الصّادق ليس فيه احتمال التّخلّف فينبغي استعمال العقل المتفكّر (أيّها المخدوم) قد مضى أشرف العمر في الهوى والهوس وضاع في تحصيل مراضي أعداء الله جلّ شأنه وبقي أرذل العمر فإن لم نصرفه اليوم في مرضيّات الحقّ جلّ سلطانه ولم نتلاف الأشرف ولم نتداركه ولو بالأرذل ولم نجعل المحنة القليلة وسيلة إلى الرّاحة الأبديّة ولم نكفّر السّيّئات الكثيرة بحسنات يسيرة فباىّ وجه نذهب غدا عند الله تعالى؟ .. وبأيّ حيلة نتمسّك؟ وإلى متى يمتدّ نوم الأرنب؟ وحتّى متى يكون قطن الغفلة هذه كلّها في الآذان، وسترفع الغشاوة عن أبصار البصيرة البتّة، ويزال قطن الغفلة عن السّامعة لا محالة، ولكن لا ينفع ذلك هنالك ولا يكون نقد الوقت غير الحسرة والنّدامة على ذلك فينبغي العمل لنفسك قبل ورود الموت والتّوسّد برمسك ثمّ الموت قائلا وا شوقاه. ولا بدّ أوّلا من تصحيح الإعتقاد وتصديق ما علم من الدّين بالضّرورة، ثمّ العلم والعمل بما تكفّل ببيانه علم الفقه أيضا ضروريّ ثمّ سلوك طريق الصّوفيّة أيضا مطلوب، لا لأجل مشاهدة الصّور والأشكال الغيبيّة ومعاينة الأنوار والألوان اللّاريبيّة، فإنّ هذا داخل في اللهو واللّعب وأيّ نقصان في الصّور والأنوار الحسّيّة، حتّى يتركها الإنسان ويشتاق إلى الصّور والأنوار الغيبيّة، ويقصدها بارتكاب الرّياضات والمجاهدات، وهذه الصّور والأنوار، وتلك الصّور والأنوار كلّها مخلوقة للحقّ سبحانه وآيات دالّة على صانعيّته تعالى ولنور الشّمس والقمر اللّذين في عالم الشّهادة مزيّة على الأنوار الّتي تشاهد في عالم المثال ولكن لمّا كانت رؤيتهما دائمة واشترك فيها الخواصّ والعوامّ أسقطوها عن نظر الإعتبار واشتاقوا إلى ما يرى في عالم الغيب من الأنوار،

(شعر) :

ولا قدر للماء الّذي دام جاريا ... على باب إنسان وإن كان كوثرا

بل المقصود من سلوك طريق الصّوفيّة تحصيل ازدياد اليقين بالمعتقدات الشّرعيّة حتّى تخرج من مضيق الإستدلال إلى فضاء الكشف ومن الإجمال إلى التّفصيل مثلا انّ وجود الواجب الوجود تعالى وتقدّس ووحدته سبحانه إذا كان أوّلا معلوما بطريق الإستدلال أو التّقليد وحصل اليقين به على مقدارهما، فإذا تيسّر سلوك طريق الصّوفيّة يتبدّل ذلك الإستدلال والتّقليد كشفا وشهودا ويحصل اليقين الأكمل.

وعلى هذا القياس سائر الاعتقاديّات والمقصود منه أيضا تحصيل اليسر في أداء الأحكام الفقهيّة، وإزالة العسر الّذي يحصل من جهة النّفس الأمّارة ويقين هذا الفقير أنّ طريق الصّوفيّة خادم للعلوم الشّرعيّة، لا أنّه أمر مباين لها وقد حقّقت هذا في كتبي ورسائلي واختيار طريق النّقشبنديّة من بين سائر الطّرق لاجل حصول هذا الغرض أولى وأنسب، فإنّ هؤلاء الأكابر التزموا متابعة السّنّة واجتناب البدعة ولهذا تراهم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت