انّه وجد نفسه جامعا وظنّ الآخرين أجزاءه فلا جرم يورث ذلك توهّم أولويّته. وقال شيخ بسطام في هذا المقام من غلبة السّكر: لوائي أرفع من لواء محمّد ولم يدر أنّ أرفعيّة لوائه ليست هي بالنّسبة إلى لواء محمّد صلّى الله عليه وسلّم بل بالنّسبة إلى أنموذجه الّذي صار مشهودا له في ضمن حقيقة اسمه ومن هذا القبيل ما قاله هو أيضا مخبرا عن وسعة قلبه إذا ألقي العرش وما فيه في زاوية قلب العارف لا يكون محسوسا أصلا وهنا أيضا اشتباه الأنموذج بالحقيقة والّا فالعرش الّذي قال الحقّ سبحانه في حقّه إنّه عظيم أيّ اعتبار وأيّ مقدار لقلب العارف في جنبه والظّهور الّذي في العرش ليس في القلب عشر عشيره ولو كان ذلك القلب قلب عارف والرّؤية الاخرويّة تتحقّق بالظّهور العرشيّ يعني تكون مثله وهذا الكلام وإن كان اليوم ثقيلا على بعض الصّوفيّة ولكنّه يكون معلوما لهم في الآخر. (ولنوضّح) هذا المبحث بمثال وهو أنّ الإنسان جامع لما في عالم العناصر والأفلاك فإذا وقع نظره على جامعيّة نفسه ورأى العناصر والأفلاك أجزاء نفسه وغلب عليه هذه الرّؤية فلا يبعد أنّ يقول إنّي أكبر من كرة الأرض وأعظم من السّموات ففي هذا الوقت يفهم العقلاء أكبريّته وأعظميّته بالنّسبة إلى أجزاء نفسه فإنّ الكلّ أعظم من الجزء وأكر الأرض والسّموات ليست من أجزائه في الحقيقة بل جعلت انموذجاته أجزاءه وأكبريّته إنّما هي بالنّظر إلى تلك الأنموذجات الّتي هي أجزاؤه بالنّظر إلى أكر الأرض والسّموات وبسبب هذا الإشتباه يعني اشتباه أنموذج شيء بحقيقته قال صاحب الفتوحات المكّيّة إنّ الجمع المحمّديّ أجمع من الجمع الإلهيّ فإنّ الجمع المحمّديّ مشتمل على الحقائق الكونيّة والإلهيّة فيكون أجمع ولم يدر أنّ ذلك اشتمال ظلّ من ظلال مرتبة الالوهيّة وأنموذج من أنموذجاتها لا أنّه مشتمل على حقيقة تلك المرتبة المقدّسة فإنّه لا مقدار للجمع المحمّديّ بالنّسبة إلى تلك المرتبة المقدّسة الّتي العظمة والكبرياء من لوازمها ما للتّراب وربّ الأرباب (وأيضا) إنّ في هذا المقام الّذي يقع فيه سير السّالك على اسم هو ربّه يظنّ أحيانا أنّ بعض الأكابر الّذين هم أفضل منه يقينا قد وصلوا بتوسّطه إلى بعض الدّرجات الفوقانيّة وترقّوا بتوسّله وهذا أيضا من مزالّ أقدام السّالكين عياذا بالله سبحانه منه حيث يرى نفسه أفضل بهذا الكمال ويقع في الخسارة وأيّ عجب وأيّة فضيلة إذا سار السّلطان عظيم الشّان تامّ البرهان تحت نصرة واحد من وزرائه الّذي هو تحت حكومته وطاعته ووصل بتوسّط ذلك الوزير إلى بعض المحلّات وفتح بتوسّله بعض البلاد والمواضع.
غاية ما في الباب أنّ هنا احتمال فضل جزئيّ وهو خارج عن المبحث فإنّ كلّ حجّام وحائك له فضل من بعض وجوه مخصوص به على عالم ذي فنون وحكيم حاذق ولكنّ ذاك الفضل خارج من حيّز الإعتبار والمعتبر إنّما هو الفضل الكلّيّ الّذي هو ثابت للعالم والحكيم وقد وقع لهذا الدّرويش من هذه الاشتباهات كثير ونشأ منها تخيّلات كثيرة وكانت تلك الحالة فيه مدّة كثيرة ومع ذلك كان حفظ الحقّ سبحانه شامل حاله فلم يطرأ على يقينه السّابق مقدار شعرة من التّذبذب ولم يتطرّق الفتور إلى الإعتقاد