الخلافة منصب قطب المدار وكأنّ هذين المقامين التّحتانيّين ظلال ذينك المقامين الفوقانيّين. (والغوث) عند الشّيخ محيي الدّين بن عربيّ قدّس سرّه هو قطب المدار المذكور وليست الغوثيّة عنده منصبا على حدة وممتازة عن منصب القطبيّة وما هو معتقد الفقير أنّ الغوث غير قطب المدار بل هو ممدّه ومعاونه في أموره وشئونه
وقطب المدار يستمدّ منه في بعض الامور، وفي تعيين مناصب الأبدال ونصبهم له دخل أيضا ويقال للقطب باعتبار الأعوان والأنصار قطب الأقطاب أيضا لأنّ أعوان قطب الأقطاب وأنصاره حكّام ومن هنا قال صاحب الفتوحات المكّيّة: ما من قرية مؤمنة كانت أو كافرة الّا وفيها قطب.
(واعلم) أنّ صاحب المنصب صاحب علم البتّة وأمّا الّذي فيه كمال ذلك المنصب دون نفس المنصب فلا يلزم كونه من أرباب العلم وكونه مطّلعا على خدماته. والبشارة الّتي تصل من عالم الغيب هي بشارة حصول كمالات ذلك المقام لا بشارة حصول منصب ذلك المقام الّتي هي منوطة بالعلم (وسألت) أيضا أنّه ما المراد بالإيمان الواقع في حديث (لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان أمّتي لرجح) وما سبب رجحان الإيمان بواسطة رجحان المؤمن به وحيث كان متعلّق إيمان أبي بكر فوق متعلّقات إيمان الامّة يكون راجحا ألبتّة (أيّها المخدوم) إنّ معاملة السّالك قد تبلغ في عروجاته مبلغا لو تفوّق منه مقدار نقطة تكون الكمالات الّتي تحصل بسبب هذا العروج والتّفوّق أزيد من جميع الكمالات السّابقة لأنّ تلك النّقطة أزيد من جميع ما تحتها وكذلك حال النّقطة الّتي فوق هذه النّقطة فإنّ هذه النّقطة حقيرة في جنبها وعلى هذا القياس فمن كان متعلّق إيمانه كمال الفوق وغايته يكون راجحا البتّة على جميع ما تحته. ومن هنا قالوا: تبلغ معاملة العارف مبلغا يكتسب في طرفة العين مثل جميع كمالاته المتقدّمة وعلى مقياس تحقيق الفقير يحصل في لمحة أزيد من جميع الكمالات المتقدّمة ذلِكَ فَضْلُ الله يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ والله ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (1) (وسألت) أيضا أنّه ذكر الشّيخ ابن عربيّ واتباعه: إنّ الأطفال الّذين قتلوا بسبب موسى على نبيّنا وعليهم الصّلاة والسّلام انتقلت استعدادات كلّهم إلى موسى عليه السّلام فنرجو تحرير حقيقة هذا الكلام بالتّفصيل؟ (اعلم) أنّ هذا الكلام أصيل لأنّه مكتوب بالتّحقيق فكما أنّ شخصا واحدا يجعل سببا لحصول الكمالات لجماعة كذلك نجعل الجماعة سببا لحصول الكمالات لشخص واحد فإنّ الشّيخ وإن كان سببا لحصول الكمالات للمريدين ولكنّ المريدين أيضا أسباب لحصول الكمالات للشّيخ وهذا الفقير أحسّ هذا المعنى في المأكولات والمشروبات الّتي صارت أجزاء بدنه بحيث كلّما تناوله من طعام أو شراب صار ذلك سببا لجامعيّة استعداده وظهرت به قابليّة أخرى فإذا قصد في بعض الأوقات ترك المأكولات اللّذيذة منع من ذلك بواسطة تحصيل هذه الجامعيّة ولم يؤذن له بترك ذلك الطّعام اللّذيذ
(1) الآية: 21 من سورة الحديد، والآية: 4 من سورة الجمعة.