والميزان حقّ والحساب حقّ قد أخبر بكلّ منها المخبر الصّادق عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام. واستبعاد بعض الجاهلين بطور النّبوّة وجود هذه الامور ساقط عن حيّز الإعتبار فإنّ طور النّبوّة وراء طور العقل وتطبيق جميع أخبار الأنبياء الصّادقة على نظر العقل والتّوفيق بينهما إنكار في الحقيقة على طور النّبوّة والمعاملة هناك إنّما هي بالتّقليد ألم يعلموا أنّ طور النّبوّة مخالف لطور العقل بل لا يقدر العقل أن يهتدي إلى تلك المطالب العالية بدون تأييد تقليد الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام والمخالفة غير عدم الإدراك فإنّ المخالفة إنّما تتصوّر بعد الإدراك.
(والجنّة والنّار) موجودتان تدخل طائفة الجنّة بعد المحاسبة يوم القيامة وطائفة تدخل النّار وثواب اهل الجنّة وعقاب أهل النّار أبديّان لا ينقطعان كما دلّت عليه النّصوص القطعيّة المؤكّدة قال صاحب الفصوص: مآل الكلّ إلى الرّحمة إنّ رحمتي وسعت كلّ شيء وثبت العذاب للكفّار إلى ثلاثة احقاب ويقول ثمّ تصير النّار في حقّهم بردا وسلاما كما كانت للخليل على نبيّنا وعليهم الصّلاة والسّلام ويجوز الخلف في وعيده سبحانه ويقول: لم يذهب أحد من أرباب القلوب إلى خلود الكفّار في عذاب النّار وهو قد وقع في هذه المسألة أيضا بعيدا عن الصّواب لم يدر أنّ سعة الرّحمة وعمومها في حقّ المؤمنين والكافرين مخصوصة بالدّنيا وأمّا في الآخرة فلا تصل رائحة الرّحمة إلى مشامّ الكفّار كما قال الله تعالى (إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ الله إِلّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ) وقال تعالى بعد قوله سبحانه (ورَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ) (فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ والَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ) وكأنّ الشّيخ قرأ أوّل الآية وترك آخرها وليس في قوله تعالى (فَلا تَحْسَبَنَّ الله مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ) دلالة على خصوصيّة عدم الجواز بخلف الوعد لأنّه لا يجوز الإقتصار هنا على عدم خلف الوعد بناء على أنّ المراد من الوعد هنا الوعد بتصرّف الرّسل وتسلّطهم على الكفّار وغلبتهم عليهم وهو متضمّن للوعد والوعيد جميعا وعد للرّسل ووعيد للكفّار فدلّت هذه الآية على انتفاء خلف الوعد وخلف الوعيد جميعا فالآية مستشهد بها عليه لا له وأيضا أنّ الخلف في الوعيد كالخلف في الوعد مستلزم للكذب وما لا يليق به سبحانه لأنّ حقيقة هذا القول أنّ الله تعالى علم في الأزل أنّه لا يخلّد الكفّار في عذاب النّار ومع ذلك أخبر بخلاف علمه رعاية لمصلحة وقال: أعذّبهم بالعذاب المخلّد وفي تجويز هذا المعنى شناعة تامّة سبحان ربّك ربّ العزّة عمّا يصفون وسلام على المرسلين. إجماع أرباب القلوب على عدم خلود الكفّار في عذاب النّار من كشفيّات الشّيخ ومجال الخطأ في الكشف كثير فلا اعتداد به مع كونه مخالفا لإجماع المسلمين.
(والملائكة) عباد الله سبحانه معصومون من العصيان ومحفوظون من الخطأ والنّسيان لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون لا يأكلون ولا يشربون لا يوصفون بذكورة ولا أنوثة فهم مبرّؤن عنهما ومنزّهون وتذكير الضّمائر الرّاجعة إليهم في القرآن المجيد إنّما هو باعتبار شرف صنف الذّكور بالنّسبة إلى صنف الإناث كما أورد الحقّ سبحانه الضّمائر الرّاجعة إلى نفسه مذكّرة وقد اصطفى الحقّ سبحانه