هؤلاء الأكابر بذلوا أموالهم وأنفسهم في محبّته عليه الصّلاة والسّلام وتركوا الجاه والرّياسة فكيف يجوز نسبة عداوة أهل البيت إليهم ولزوم محبّة أهل بيته عليه الصّلاة والسّلام ثابت بالنّصّ القطعيّ وجعلت محبّتهم أجرة الدّعوة (قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى ومَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْنًا)
وإبراهيم الخليل على نبيّنا وعليه الصّلاة والسّلام إنّما نال من الدّرجة القصوى وصار أصل شجرة النّبوّة بواسطة تبرّيه من أعدائه تعالى قال الله تعالى (قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْراهِيمَ والَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنّا بُرَآؤُا مِنْكُمْ ومِمّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ الله كَفَرْنا بِكُمْ وبَدا بَيْنَنا وبَيْنَكُمُ الْعَداوَةُ والْبَغْضاءُ أَبَدًا حَتّى تُؤْمِنُوا بِالله وَحْدَهُ) ولا عمل من الأعمال في نظر هذا الفقير أفضل من هذا التّبرّي في حصول رضا الحقّ جلّ وعلا وإنّ للحقّ سبحانه وتعالى عداوة ذاتيّة مع الكفر والكفرة والآلهة الباطلة الآفاقيّة مثل اللّات والعزّى، وعبدتها أعداء الحقّ سبحانه بالذّات والخلود في النّار جزاء هذا العمل الشّنيع وهذه الحالة مفقودة في الآلهة الباطلة الأنفسيّة وسائر الأعمال السّيّئة فإنّ العداوة والغضب بالنّسبة إلى هذه المذكورات ليست بذاتيّة فإن كان هناك غضب فهو راجع إلى الصّفات وإن كان عقاب أو عتاب فهو راجع إلى الأفعال ولهذا لم يكن الخلود في النّار جزاء هذه السّيّئات بل جعل الحقّ سبحانه مغفرتهم منوطة بمشيئته.
(ينبغي) أن يعلم أنّه لمّا تحقّق العداوة الذّاتيّة في حقّ الكفر والكفّار امتنع أن تشمل الرّحمة والرّأفة اللّتان هما من صفات الجمال في الآخرة الكفّار وأن ترفع صفة الرّحمة العداوة الذّاتيّة فإنّ المتعلّق بالذّات اقوى وارفع ممّا هو متعلّق بالصّفة فمقتضى الصّفات لا يقدر أن يبدّل ويغيّر مقتضى الذّات وما ورد في الحديث القدسيّ سبقت (1) رحمتي غضبي فالمراد بالغضب فيه ينبغي أن يكون الغضب الصّفاتيّ الّذي هو مقصور على عصاة المؤمنين لا الغضب المخصوص بالمشركين.
(فإن قيل) إنّ للكفّار نصيبا من الرّحمة في الدّنيا كما حقّقته فيما سبق فكيف تكون صفة الرّحمة في الدّنيا رافعة للعداوة الذّاتيّة؟
(أجيب) أنّ حصول الرّحمة للكافرين في الدّنيا إنّما هو باعتبار الظّاهر والصّورة وأمّا في الحقيقة فهو استدراج ومكيدة في حقّهم وقوله تعالى (أَ يَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وبَنِينَ نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ) وقوله تعالى (سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ وأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ) شاهد لهذا المعنى فليفهم.
(1) رواه الشيخان عن ابى هريرة رضى الله عنه