فهرس الكتاب

الصفحة 369 من 1087

الدّعوة وتوجّهوا نحو عالم البقاء وتمّت مصلحة الرّجوع يكونون متوجّهين بكلّيّتهم إلى الحقّ جلّ شأنه قائلين بتمام الشّوق الرّفيق الأعلى متبخترين في مراتب القرب شعر:

هنيئا لارباب النّعيم نعيمها ... وللعاشق المسكين ما يتجرّع

والكمال عند الفقير هو أن ترتفع الكثرة وقت العروج عن النّظر بالكلّيّة حتّى لا تكون الأسماء والصّفات أيضا ملحوظة ولا يكون غير الأحديّة المجرّدة مشهودا ثمّ يعامل معه ما يعامل معه وأن يقع النّظر وقت الرّجوع إلى الكثرة بالتّمام ولا يكون مشهوده كعامّة المؤمنين غير الخلق ولا يكون شغله غير أداء الطّاعة ودعوى الخلق إلى الحقّ جلّ وعلا فإذا تمّ أمر الدّعوة وودّع العالم الفاني يتوجّه بكلّيّته إلى جناب قدسه تعالى ويحوّل رحله من الغيب إلى الشّهادة ويبدّل معاملة المراسلة بمعاملة المعانقة ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.

ولا يخيّلنّ النّاقص أنّ الرّجوع الكلّيّ نقص ولا يزعمنّ أنّ التّوجّه بالباطن إلى الحقّ جلّ وعلا أفضل من التّوجّه إلى الخلق لدعوتهم وتكميلهم فإنّ صاحب الرّجوع ما جاء إلى مقام الرّجوع باختيار نفسه بل نزل من أعلى إلى أسفل بإرادة الحقّ جلّ سلطانه ورضي لنفسه بالهجر عن الوصول فصاحب الرّجوع قائم بمراد الحقّ جلّ شأنه وفان عن مراد نفسه وصاحب التّوجّه محفوظ بالوصل والشّهود ومسرور بالقرب والمعيّة، شعر:

إذا أرضي منّا قلبي بعاديّ ... فهذا الهجر أحظى من وصالي

لأنّي في الوصال عبيد نفسي ... وفي الهجر أنّ مولى للموالي

وشغلي بالحبيب بكلّ حال ... أحبّ إليّ من شغلي بحالي

وفضائل الرّجوع وكمالاته كثيرة وصاحب التّوجّه بالنّسبة إلى صاحب الرّجوع قطرة بالنّسبة إلى البحر المحيط وهذا الرّجوع من فضائل النّبوّة وذاك التّوجّه من آثار الولاية شتّان ما بينهما ولكن لا يدرك هذا الكمال فهم كلّ أحد ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم. وقال بعض الجامعين بين التّشبيه والتّنزيه انّ الإيمان بالتّنزيه حاصل لجميع المؤمنين والعارف هو الّذي يجمع بينه وبين الإيمان بالتّشبيه ويرى الخلق ظهور الخالق والكثرة كسوة الوحدة ويطالع الصّانع في صنعه وبالجملة انّ التّوجّه إلى التّنزيه الصّرف نقص عندهم وشهود الوحدة بلا ملاحظة الكثرة عيب وهذه الجماعة يعدّون المتوجّهين إلى الاحديّة الصّرفة ناقصين ويظنّون ملاحظة الوحدة بلا مطالعة الكثرة تحديدا وتقييدا سبحان الله وبحمده أما دروا أنّ دعوة الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام كلّها إلى تنزيه صرف والكتب السّماويّة ناطقة بالإيمان التّنزيهيّ والأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام ينفون الآلهة الباطلة الآفاقيّة والأنفسيّة ويدعون الخلق إلى إبطالها ويدلّون على وحدة واجب الوجود المنزّه عن التّشبيه والتّكييف هل سمعت قطّ أن نبيّا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت