فهرس الكتاب

الصفحة 372 من 1087

الوجوديّة إنّما يقولون لمن يقول بتعدّد الوجود مشركا باعتبار أنّه يرى ويشاهد الإثنين ومشاهد الإثنين هو مشرك الطّريقة؟

(أجيب) أنّ رؤية الإثنين الّتي هي شرك الطّريقة تندفع بالتّوحيد الشّهوديّ ولا حاجة إلى التّوحيد الوجوديّ في ذلك الموطن بل ينبغي أن لا يكون مشهود السّالك وملحوظه غير الذّات الأحد المقدّسة حتّى يتحقّق الفناء ويندفع شرك الطّريقة كما إذا رأى شخص الشّمس في النّهار وحدها ولم ير النّجوم يندفع رؤية الاثنين وان كانت النّجوم كلّها موجودة في النّهار والمقصود هو كون المشهود هو الشّمس وحدها سواء كانت النّجوم موجودة أو معدومة بل أقول: إنّ كمال الفناء إنّما هو في صورة تكون الأشياء موجودة ومع ذلك لا يلتفت السّالك من كمال تعلّقه وشغفه بالمطلوب الحقيقيّ إلى شيء أصلا بل لا يشاهد شيئا ولا يقع نظر بصيرته إلى شيء قطعا فإن لم تكن الأشياء موجودة فمن أيّ شيء يتحقّق الفناء وعمّن يكون فانيا وذاهلا وناسيا وأوّل من صرّح بالتّوحيد الوجوديّ هو الشّيخ محيي الدّين بن عربيّ وعبارات المشائخ المتقدّمين وإن كانت مشعرة بالتّوحيد ومنبئة عن الإتّحاد ولكنّها قابلة للحمل على التّوحيد الشّهوديّ فإنّه لمّا لم ير غير الحقّ سبحانه قال بعضهم: ليس في جبّتي سوى الله وقال بعضهم:

سبحاني وبعضهم ليس في الدّار غيري وهذه كلّها أزهار تفتّقت من غصن رؤية الواحد لا دلالة في واحد منها على التّوحيد الوجوديّ والّذي بوّب مسألة وحدة الوجود وفصّلها ودوّنها تدوين النّحو والصّرف هو الشّيخ محيي الدّين بن العربيّ وخصّص بعض المعارف الغامضة بين هذا المبحث بنفسه حتّى قال: إنّ خاتم النّبوّة يأخذ بعض العلوم والمعارف عن خاتم الولاية وأراد بخاتم الولاية المحمّديّة نفسه وقال الشّرّاح في توجيهه: إنّ السّلطان إذا أخذ من خازنه شيئا فأيّ نقصان فيه وبالجملة لا حاجة في تحصيل الفناء والبقاء وحصول الولاية الصّغرى والكبرى إلى التّوحيد الوجوديّ بل لا بدّ في تحقّق الفناء وحصول نسيان السّوى من التّوحيد الشّهوديّ بل يمكن أن يسير السّالك من البداية إلى النّهاية ولا يظهر له شيء من علوم التّوحيد الوجوديّ ومعارفها أصلا بل يكاد ينكر هذه العلوم وعند هذا الفقير أنّ الطّريق الّذي يتيسّر سلوكه بدون ظهور هذه المعارف أقرب من الطّريق الّذي هو متضمّن لظهور هذه المعارف. وأيضا إنّ أكثر سالكي هذه الطّريق يصلون إلى المطلوب وأكثر سائري ذاك الطّريق يبقون في الطّريق ويروون من البحر بقطرة ويبتلون بتوهّم اتّحاد الظّلّ بالأصل ويحرمون بذلك الوصل وعلمت هذا المعنى بتجاريب متعدّدة والله سبحانه الملهم للصّواب وسير الفقير وإن كان من الطّريق الثّاني ووجد حظّا وافرا من ظهورات علوم التّوحيد الوجوديّ ومعارفه ولكن لمّا كانت عناية الحقّ سبحانه شاملة لحاله وكان سيره السّير المحبوبيّ طوى بوادي الطّريق ومفاويزه بامداد فضله وعنايته تعالى وجاوز مراتب الظّلال ووصل إلى الأصل بتوفيق الله تعالى وعونه. ولمّا وقعت المعاملة على المسترشدين رأى أنّ الطّريق الآخر أقرب

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت