فهرس الكتاب

الصفحة 385 من 1087

تلك الحقائق والعالم الرّاسخ هو الّذي يقدر على الجمع بين اللّبّ والقشر والحقيقة والصّورة علماء القشر مسرورون بالقشر ومكتفون بالمحكمات والعلماء الرّاسخون يحصّلون المحكمات وينالون حظّا وافرا من تأويل المتشابهات ويجمعون بين الحقيقة والصّورة أعني المتشابه والمحكم وأمّا من طلب تأويل المتشابهات من غير علم المحكمات ومن غير عمل بمقتضاها وترك الصّورة وسلك طريق فكر الحقيقة فهو جاهل وليس له خبر عن جهله وضالّ وليس له شعور بضلالته ولم يدر أنّ هذه النّشأة مركّبة من الصّورة والحقيقة وما دامت هذه النّشأة موجودة لا تنفكّ الحقيقة عن الصّورة أصلا

قال الله تعالى (واُعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ) أي الموت كما قال المفسّرون جعل الله تعالى غاية العبادة ونهايتها زمان حلول الموت الّذي هو منتهى هذه النّشأة لأنّ من مات فقد قامت قيامته وإنّما يحصل انفكاك الصّور من الحقائق في النّشأة الاخرويّة الّتي هي محلّ ظهور الحقائق فكلّ من النّشأتين لها حكم على حدة لا يختلط حكم إحداهما بالاخرى الّا جاهل أو زنديق مقصوده إبطال الشّرائع فإنّ كلّ حكم شرعيّ ثابت للمبتدى فهو ثابت أيضا للمنتهي وعامّة المؤمنين وأخصّ الخواصّ من العارفين سواسية في هذا المعنى متساوية الأقدام فيه لا فرق بين شخص وشخص والمتصوّفة القاصرون والملاحدة الخائبون في صدد إخراج رقابهم من ربقة الشّريعة متخيّلين بأنّ الأحكام الشّرعيّة مخصوصة بالعوامّ وأمّا الخواصّ فهم مكلّفون بالمعرفة فقط كما أنّهم يعتقدون من جهلهم أنّ الامراء والسّلاطين ليسوا مكلّفين بغير العدل والإنصاف ويقولون إنّ المقصود من إتيان الشّريعة حصول المعرفة فإذا حصلت المعرفة سقطت التّكاليف الشّرعيّة ويستشهدون في إثبات مدعّاهم بقوله تعالى (واُعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ) أي بالله كما قال سهل التّستريّ يعني انتهاء العبادة حصول معرفة الحقّ سبحانه والظّاهر أنّ مراد من فسّر اليقين بكونه بالله هو كون انتهاء الكلفة في العبادة حصول معرفة الحقّ جلّ وعلا لا انتهاء نفس العبادة فإنّ ذلك مفض إلى الإلحاد والزّندقة وهم يزعمون أيضا أنّ عبادة العارفين ريائيّة فإنّهم يعملون ما يعملون من الطّاعة والعبادة ليقتدى بهم في ذلك المبتدئون واتباعهم لا لكونهم محتاجين إليها وينقلون في تأييد هذا القول أقوالا عن المشائخ حيث قالوا ما لم يكن الشّيخ منافقا ومرائيا لا ينتفع به المريد خذلهم الله سبحانه ما أجهلهم واحتياج العارفين إلى العبادة على نهج ليس في المريدين عشره فإنّ عروجاتهم مربوطة بالعبادة وترقّياتهم منوطة بإتيان الأحكام الشّرعيّة وما يتوقّع للعلوم غدا من ثمرات العبادة فهو حاصل للعارفين اليوم فهم إذا أحقاء بالعبادة وأحوج إلى إتيان الأحكام الشّرعيّة من غيرهم. ينبغي أن يعلم أنّ الشّريعة عبارة عن مجموع الصّورة والحقيقة فالصّورة ظاهر الشّريعة والحقيقة باطن الشّريعة فالقشر واللّبّ كلاهما من أجزاء الشّريعة والمحكم والمتشابه من أفرادهما وعلماء الظّاهر اكتفوا بقشرها والعلماء الرّاسخون جمعوا بين اللّبّ والقشر ونالوا حظّا وافرا من مجموع الصّورة والحقيقة فينبغي أن يتصوّر الشّريعة كشخص مركّب من الصّورة والحقيقة وقد تعلّق جماعة بصورتها وشغفوا بها وأنكروا حقيقتها ولم يعرفوا لهم شيخا يقتدون به غير الهداية والپزدويّ وهؤلاء الجماعة هم علماء القشر وجماعة أخرى افتتنوا بحقيقتها ولكن لم يعتقدوها

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت