من أخبر عن وسعة قلبه من المشائخ فمراده لا مكانيّة القلب فإنّ المكانيّ وإن كان وسيعا ضيّق ألا ترى أنّ العرش مع وجود عظمته ووسعته لمّا كان مكانيّا كان حكمه في جنب اللّامكانيّ الّذي هو الرّوح كحكم الخردلة بل أقلّ بل أقول: إنّ هذا القلب لمّا كان محلّ تجلّي أنوار القدم بل وجد بقاء بالقدم لو وقع فيه العرش وما فيه لصار مضمحلّا ومتلاشيا بحيث لا يبقى منه أثر كما قال سيّد الطّائفة في هذا المقام: إنّ المحدث إذا قورن بالقديم لم يبق له أثر وهذا لباس متفرّد مخيط على قدر قدّ الرّوح خاصّة وليست هذه الخصوصيّة للملائكة أيضا فإنّهم داخلون في دائرة المكانيّ ومتّصفون بالمثاليّ فلا جرم كان الإنسان خليفة الرّحمن ولا عجب فيه فإنّ صورة الشّيء خليفة الشّيء وما لم يخلق على صورة شيء لا يليق بخلافة الشّيء وما لم يكن لائقا بالخلافة لا يقدر أن يتحمّل ثقل أمانة أصله لا يحمل عطايا الملك الّا مطاياه قال تبارك وتعالى (إِنّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ والْأَرْضِ والْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وأَشْفَقْنَ مِنْها وحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُومًا جَهُولًا) كثير الظّلم على نفسه بحيث لا يبقي من وجوده ولا من توابع وجوده أثرا ولا حكما كثير الجهل حتّى لا يكون له إدراك يتعلّق بالمقصود ولا علم له نسبة إلى المطلوب بل العجز عن الادراك في ذلك الموطن ادراك والإعتراف بالجهل معرفة. أكثرهم معرفة بالله أكثرهم تحيّرا فيه.
تنبيه: فإن وقع في بعض العبارات لفظ موهم بالظّرفيّة والمظروفيّة في شأنه تعالى وتقدّس ينبغي أن يحمله على ضيق ميدان العبارة وأن يجعل المراد والمقصود من الكلام مطابقا لآراء أهل السّنّة.
معرفة: إنّ العالم صغيرة وكبيره مظاهر الأسماء والصّفات الإلهيّة جلّ شأنه ومرايا الشّئونات والكمالات الذّاتيّة وهو سبحانه كان كنزا مكنونا وسرّا مخزونا فأراد أن يعرض نفسه من الخلاء إلى الملأ وأن يورد الإجمال على التّفصيل فخلق العالم ليدلّ على أصله وليكون علامة لحقيقته ولا نسبة بين العالم والصّانع سوى أنّ العالم مخلوقه ودليل على كمالاته المخزونة تعالى وتقدّس وكلّ حكم وراء ذلك من جنس الإتّحاد والعينيّة والإحاطة والمعيّة من السّكر وغلبة الحال والأكابر المستقيمو الأحوال الّذين ذاقوا شرابا من قدح الصّحو والوصال يتبرّءون من هذه العلوم ويستغفرون من مثل هذا الحال وإن حصل لبعضهم هذه العلوم في أثناء الطّريق ولكنّهم يجاوزونها بالاخرى ويمنحون علوما أزليّة مطابقة لعلوم الشّريعة.
(ولنبيّن) لتحقيق هذا المبحث مثالا انّ العالم النّحرير ذا فنون مثلا أراد أن يبرز كمالاته المخزونة إلى عرصة الظّهور وأن يجلّي فنونه المكنونة إلى الملأ فأوجد الحروف والأصوات ليظهر في حجب تلك الحروف والأصوات كمالاته المخزونة وفنونه المكنونة ففى هذه الصّورة لا مناسبة بين تلك الحروف والأصوات وبين المعاني المخزونة بل بين العالم الموجد لها أصلا الّا أنّ العالم موجدها وهي دالّة على كمالاته المخزونة ولا معنى في القول بأنّ تلك الحروف والأصوات عين ذلك العالم الموجد أو عين تلك