الحمد لله الّذي شرّفنا بمتابعة سيّد المرسلين وجنّبنا عن ارتكاب المبتدعات في الدّين، والصّلاة والسّلام على من قمع بنيان الضّلالة ورفع أعلام الهداية وعلى آله الأبرار وصحبه الأخيار ينبغي أن يعلم أنّ لأكثر النّاس في هذا الزّمان من الخواصّ والعوامّ اهتماما تامّا في أداء النّوافل ولكنّهم يتساهلون في أداء المكتوبات ولا يراعون فيها السّنن والمستحبّات الّا قليلا يرون النّوافل عزيزة والفرائض حقيرة وذليلة قلّما يؤدّون الفرائض في أوقاتها المستحبّة لا يهتمّون لإدراك تكبير التّحريمة مع الجماعة بل لا يبالون بفوت نفس الجماعة أيضا وإنّما يغتنمون أداء نفس الفرائض بالتّكاسل والتّساهل ويؤدّون النّوافل بالجمعيّة التّامّة ورعاية كمال الإهتمام في يوم عاشوراء وليلة البراءة واللّيلة السّابعة والعشرين من رجب وليلة أوّل جمعة منه وهي الّتي يسمّونها ليلة الرّغائب ويظنّون فعلهم هذا حسنا ومستحسنا ولا يدرون أنّه من تسويلات الشّيطان الّذي يرى السّيّئات في صورة الحسنات.
قال شيخ الإسلام مولانا عاصم الدّين الهروىّ (1) في حاشية شرح الوقاية: إنّ التّطوّع بالجماعة وترك الفرض بالجماعة من تسويلات الشّيطان. (ينبغي) أن يعلم أنّ أداء النّوافل بالجماعة من البدع المذمومة والمكروهة ومن جملة البدع الّتي قال خاتم الرّسالة عليه الصّلاة والسّلام في شأنها"من أحدث (2) في ديننا هذا فهو ردّ»."
(واعلم) أنّ أداء النّوافل بالجماعة مكروه مطلقا في بعض الرّوايات الفقهيّة وفي بعض آخر الكراهة مشروطة بالتّداعي والجمعيّة فعلى هذا لو صلّى اثنان النّفل في ناحية المسجد من غير تداع يجوز بلا كراهة وفي الثّلاثة اختلاف المشايخ والأربعة مكروهة بالإتّفاق في بعض الرّوايات وفي البعض الآخر الأصحّ أنّها مكروهة في الفتاوى السّراجيّة كره التّطوّع بالجماعة بخلاف التّراويح وصلاة الكسوف وفي الفتاوى الغياثيّة قال الشّيخ الإمام السّرخسيّ رحمه الله: التّطوّع بجماعة خارج رمضان إنّما يكره إذا كان على سبيل التّداعي أمّا إذا اقتدى واحد أو اثنان لا يكره وفي الثّلاث اختلاف وفي الأربع يكره بلا خلاف وذكر في الخلاصة أنّ التّطوّع بجماعة إذا كان على سبيل التّداعي يكره وأمّا إذا صلّوا بجماعة بغير أذان وإقامة في ناحية المسجد لا يكره وقال شمس الأئمّة الحلوانيّ: إذا كان سوى الإمام ثلاثة لا يكره بالإتّفاق وفي الأربع اختلاف والأصحّ أنّه يكره وفي الفتاوى الشّافية: ولا يصلّي التّطوّع بالجماعة الّا في شهر رمضان وذلك إنّما يكره إذا كان على سبيل التّداعي يعني بأذان وإقامة امّا لو اقتدى واحد او اثنان لا على سبيل التّداعي فلا يكره وإذا اقتدى ثلاثة اختلف المشايخ رحمهم الله تعالى وإن اقتدى أربعة كره اتّفاقا وأمثال هذه الرّوايات كثيرة والكتب الفقهيّة بها مملوءة فإن وجدت رواية مجوّزة لأداء النّفل
(1) هذا الذى ذكر قدس سره كله بدعة مستحدثة باتفاق المحققين وان ذكره المشاهير في كتبهم كصاحب القوت والغزالى وغيرهما منه (القزاني رحمة الله عليه)
(2) رواه الشيخان عن عائشة رضى الله عنها وقد مر