بالجماعة مطلقا ساكتة عن ذكر العدد ينبغي حملها على المقيّد الواقع في رواية أخرى وأن يراد بالمطلق المقيّد وأن يقصر الجواز على اثنين أو ثلاث لأنّ العلماء الحنفيّة وإن كانوا يجرون المطلق على إطلاقه في الاصول ولا يحملونه على المقيّد ولكنّهم جوّزوا حمل المطلق على المقيّد في الرّوايات بل عدّوه لازما فإن لم يحمل على طريق فرض المحال ويجرى على إطلاقه لكان هذا المطلق معارضا على ذلك المقيّد إذا تساويا في القوّة. والمساواة في القوّة ممنوعة فإنّ رواية الكراهة مع وجود كثرتها مختارة ومفتى بها بخلاف رواية الإباحة ولو سلّم مساواتها أقول: إنّ التّرجيح على تقدير تعارض أدلّة الكراهة وأدلّة الإباحة في جانب الكراهة فإنّ فيه رعاية الإحتياط كما هو مقرّر عند أهل أصول الفقه فالّذين يصلّون صلاة النّفل يوم عاشوراء وليلة البراءة وليلة الرّغائب بجماعة عظيمة بحيث يجتمع في المساجد مائتان أو ثلثمائة رجل ويستحسنون تلك الصّلاة بمثل ذلك الإجتماع والجماعة مرتكبون أمرا مكروها باتّفاق الفقهاء، واستحسان القبائح من أعظم القبايح فإنّ اعتقاد الحرام مباحا منجرّ إلى الكفر وظنّ المكروه حسنا أقلّ منه بمرتبة واحدة فينبغي ملاحظة شناعة هذا الفعل كمال الملاحظة واعتمادهم في دفع الكراهة على عدم التّداعي نعم إنّ عدم التّداعي يدفع الكراهة على بعض الرّوايات ولكنّه مخصوص بمقتد واحد واثنين وهو أيضا مشروط بكونه في ناحية المسجد وبدونه خرط القتاد مع أنّ التّداعي عبارة عن إعلام بعض بعضا آخر لأداء صلاة النّفل وهذا المعنى متحقّق في تلك الجماعة فإنّهم يعلّمون بعضهم بعضا قبيلة قبيلة في يوم عاشوراء وغيره ويقولون ينبغي أن نذهب إلى مسجد الشّيخ الفلانيّ أو العالم الفلانيّ وأنّ نؤدّي الصّلاة هناك بالجمعيّة وهم قد اعتبروا هذا الفعل فمثل هذا الإعلام أبلغ من الأذان والإقامة فثبت التّداعي أيضا وإذا جعلنا التّداعي مخصوصا بالأذان والإقامة كما وقع في بعض الرّوايات وأردنا بهما حقيقة الأذان والإقامة فالجواب هو ما مرّ آنفا من أنّ عدم الكراهة مخصوص بواحد واثنين مع شرط آخر على ما مرّ ذكره. (ينبغي) أن يعلم أنّ بناء أداء النّفل على الإخفاء والسّتر لكونه مظنّة رياء وسمعة والجماعة منافية له والمطلوب في أداء الفرض الإظهار والإعلان لأنّه مبرّأ عن شائبة الرّياء والسّمعة فيكون المناسب أن يؤدّى بالجماعة أو نقول: إنّ كثرة الإجتماع مظنّة حدوث الفتنة ولهذا اشترطوا في أداء صلاة الجمعة حضور السّلطان أو نائبه حتّى يتحقّق الأمن من حدوث الفتنة وفي تلك الجماعات المكروهات احتمال إيقاظ الفتنة القويّة أيضا فلا يكون هذا الإجتماع معروفا بل يكون منكرا وفي الحديث النّبويّ عليه الصّلاة والسّلام «الفتنة نائمة (1) لعن الله من أيقظها"فاللّازم لولاة الامور وقضاة الإسلام وأهل الإحتساب منع هذا الإجتماع ومراعاة الزّجر بأبلغ الوجوه في هذا الباب حتّى يتحقّق استيصال هذه البدعة المنجرّة إلى الفتنة والله يحقّ الحقّ وهو يهدي السّبيل."
(1) رواه الرافعى عن انس بن مالك وقد مر.