تتّفق الغيبة عن الحسّ للبعض مع هذا الإستهلاك وقد لا تقع للبعض الآخر وصاحب هذا البقاء يمكن أن يرجع إلى الصّفات البشريّة وأن يعود إلى الأخلاق النّفسانيّة بخلاف البقاء الّذي هو مترتّب على الفناء فإنّ العود منه غير جائز يمكن أن يكون هذا معنى ما قال الخواجه النّقشبند قدّس الله تعالى سرّه الأقدس: إنّ وجود العدم يعود إلى وجود البشريّة وأمّا وجود الفناء فلا يعود إلى وجود البشريّة أصلا فإنّ الباقي بالبقاء الأوّل هو في الطّريق بعد والرّجوع عن الطّريق ممكن والثّاني واصل منته ولا رجوع للواصل قال واحد من الأكابر: ما رجع من رجع الّا من الطّريق ومن وصل لا يرجع.
ينبغي أن يعلم أنّ صاحب وجود العدم وإن كان في الطّريق ولكن له بحكم اندراج النّهاية في البداية شعور بنهاية الأمر وما هو ميسّر للمنتهي في الآخر حاصل له خلاصته من هذه الجهة إجمالا وهذه النّسبة لمّا كانت في المنتهي بطريق الشّمول وعموم السّريان صارت حاصلة في روحانيّته وجسمانيّته البتّة وفي صاحب وجود العدم مقصور على خلاصة القلب ولو في الجملة وعلى سبيل الإجمال فلا جرم كان المنتهي صاحب تفصيل ورجوعه إلى صفات الجسمانيّة ممتنعا فإنّ سريان تلك النّسبة في مراتب جسمانيّته خلعه عن صفاتها وجعله فانيا وهذا الفناء موهبة محضة والرّجوع عن الموهبة المحضة لا يليق بجناب قدسه تعالى وتقدّس بخلاف صاحب وجود العدم فإنّ تلك السّراية مفقودة في حقّه.
غاية ما في الباب أنّ هذه المراتب لمّا كانت تابعة للقلب كانت تلك النّسبة أيضا سارية فيها وكسرت سورتها وجعلتها مغلوبة ولكنّها ما بلغت حدّ الفناء والزّوال فيمكن الرّجوع عنه إذ المغلوب قد يغلب بعروض بعض العوارض ولحوق بعض الموانع والزّائل لا يعود كما مرّ.
(واعلم) أنّ بعض المشائخ من هذه السّلسلة العليّة قدّس الله أرواحهم قد أطلقوا الفناء والبقاء على الإستهلاك والإضمحلال المذكور والبقاء الّذي يترتّب عليه وأثبتوا التّجلّي والشّهود الذّاتيّين أيضا في تلك المرتبة وقالوا لهذا الباقي واصلا وقالوا بتحقّق يادداشت الّذي هو عبارة عن دوام الحضور مع جناب الحقّ سبحانه في هذا المقام أيضا وكلّ ذلك باعتبار اندراج النّهاية في البداية والّا فالفناء والبقاء لا يكونان الّا للمنتهي الّذي هو الواصل والتّجلّي الّذي مخصوص به ودوام الحضور مع الله سبحانه لا يكون الّا للمنتهي الواصل إذ هو الّذي لا رجوع له أصلا وأمّا الإطلاق الأوّل فهو أيضا صحيح بالإعتبار المذكور ومبتن على وجه وجيه ومن هذا القبيل ما وقع في كتاب الفقرات لحضرة الخواجه عبيد الله أحرار قدّس الله سرّه الأقدس من إطلاق الفناء والبقاء والتّجلّي والشّهود الذّاتيّين والوصل ودوام الحضور. قال واحد من الأعزّة:
إنّ مبنى ذلك الكتاب الّذي عبارة عن مكتوبات ورسائل مرسلة إلى بعض مخلصيه على دراية من أرسلت إليه ومعرفته وكلّموا النّاس على قدر عقولهم مراعى فيه ومن هذا القبيل أيضا رسالة سلسلة الأحرار الواقعة على طريق كلام حضرة الخواجه احرار والرّباعيّات المشروحة الّتي كتبها حضرة شيخنا مؤيّد الدّين الرّضيّ مولانا محمّد الباقي سلّمه الله تعالى وهذا البقاء بل جميع ما هو واقع في طرف الجذبة ناظر إلى