إلى الله الّذي هو معبّر عنه بالفناء المطلق وبعد ذلك أيضا مقام الجذبة الّذي عبّروا عنه بالسّير في الله، والبقاء بالله والسّير إلى الله عبارة عن السّير إلى الإسم الّذي السّالك مظهره والسّير في الله سير في ذلك الإسم فإنّ كلّ اسم جامع لأسماء غير متناهية فيكون السّير فيه أيضا غير متناه ولهذا الدّرويش في هذا المقام معرفة خاصّة وستذكر إن شاء الله تعالى عن قريب وهذا الإسم في مراتب العروج فوق العين الثّابتة فإنّ العين الثّابتة للسّالك ظلّ ذلك الإسم وصورته العلميّة والجماعة المخصوصة بفضل الحقّ سبحانه يعرجون من هذا الإسم أيضا ويترقّون إلى ما شاء الله بلا نهاية، شعر:
ومن بعد هذا يدقّ بيانه ... وما كتمه أحظى لديّ وأجمل
والواصلون من سائر أرباب السّلوك وإن كانوا مشاركين لهم في الجهة الثّانية ومتحقّقون بالفناء في الله والبقاء بالله ولكنّ المسافة الّتي يقطعها أرباب السّلوك بالرّياضات والمجاهدات ويصلون إلى منتهاها في أزمنة طويلة يقطعها أكابر هذه السّلسلة العليّة بالتذاذ دولة الشّهود وذوق وجدان المقصود في أزمنة قليلة ويصلون إلى كعبة المطلوب ثمّ بعد الوصول يحصل لهم ترقيّات غير متناهية والمنتهون من أرباب السّلوك قليلو النّصيب من ذلك التّرقّي والقرب فإنّ تقدّم الجذبة على السّلوك يستدعي نحوا من المحبوبيّة فإنّه ما لم يكن مرادا لا يحصل له جذب فإذا انجذب يقع أقرب ألبتّة ويحصل له زيادة القرب والفرق بين المراد وغير المراد كثير (ذلِكَ فَضْلُ الله يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ والله ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) (1) مثنويّ، شعر:
عشق معشوق خفيّ وستّير ... عشق عشّاق بطبل ونفير
غير أنّ الثّاني مضن للبدن ... عشق معشوق مزيد في السّمن
فإن قيل: إنّ المرادين من سائر السّلاسل أيضا شركاء لهم في هذا التّرقّي والقرب فإنّ الجذبة مقدّمة على سلوكهم فما يكون مزيّة هذا الطّريق على غيره من الطّرق ولأيّ شيء يقال له إنّه أقرب الطّرق؟
أجيب: انّ سائر الطّرق ليست بموضوعة لحصول هذا المعنى بل تحصل هذه الدّولة لبعضهم على سبيل الإتّفاق وهذا الطّريق موضوع لحصول هذا المعنى ويادداشت الّذي يقع في عبارات أكابر هذه السّلسلة العليّة يتصوّر بعد تحقّق كلا جهتي الجذبة والسّلوك، وإطلاق النّهاية عليه باعتبار نهاية مراتب الشّهود والحضور والّا فالنّهاية المطلقة وراء الوراء. وتفصيله أنّ الشّهود إمّا في مرآة الصّورة أو في مرآة المعنى أو فيما وراء الصّورة والمعنى وقالوا لهذا الشّهود العاري عن الحجاب يعني حجاب الصّورة والمعنى برقيّا يعني أنّ حصول هذا الشّهود كالبرق ثمّ يكون في الحجاب فإذا حصل لهذا الشّهود بمحض فضل الحقّ سبحانه دوام وخرج عن مضيق الحجب بالتّمام يعبّرون عنه حينئذ بيادداشت الّذي هو حضور
(1) الآية: 21 من سورة الحديد، والآية: 4 من سورة الجمعة.