وإن كانوا مريدين فأمرهم من غير شيخ كامل مكمّل عسير والشّيخ ينبغي أن يكون مشرّفا بدولة الجذبة والسّلوك ومستسعدا بسعادة الفناء والبقاء وأن يكون قد أتمّ السّير إلى الله والسّير في الله والسّير عن الله بالله والسّير في الأشياء بالله فإن كانت جذبته مقدّمة على سلوكه وتربّى بتربية المرادين فهو كبريت أحمر وكلامه دواء ونظره شفاء، إحياء القلوب الميّتة منوط بتوجّهه الشّريف وتزكية النّفوس العاتية مربوطة بالتفاته اللّطيف فإن لم يوجد صاحب دولة مثل ذلك فالسّالك المجذوب أيضا مغتنم يحصل منه تربية النّاقصين ويصلون بوساطته إلى دولة الفناء والبقاء،
شعر: متى قسنا السّما بالعرش ينحطّ ... وما أعلاه إن قسنا بأرض
فإن اهتدى الطّالب بعناية الحقّ جلّ سلطانه إلى مثل هذا الشّيخ الكامل المكمّل ووصل إليه ينبغي أن يغتنم وجوده وأن يفوّض نفسه إليه بالتّمام وأن يعتقد سعادته في مرضيّاته وشقاوته في خلاف مرضيّاته وبالجملة ينبغي أن يجعل هواه تابعا لرضاه وفي الخبر النّبويّ عليه الصّلاة والسّلام «لن يؤمن أحدكم حتّى يكون هواه تابعا لما جئت به""
اعلم أنّ رعاية آداب الصّحبة ومراعاة شرائطها من ضروريّات هذا الطّريق حتّى يكون طريق الإفادة والإستفادة مفتوحا وبدونها لا نتيجة للصّحبة ولا ثمرة للمجالسة ولنورد بعض الآداب والشّرائط الضّروريّة في معرض البيان ينبغي استماعها بسمع العقل
(اعلم) أنّه ينبغي للطّالب أن يعرض بقلبه عن جميع الجهات وأن يتوجّه به إلى شيخه وأن لا يشتغل بالنّوافل والأذكار مع وجود الشّيخ بلا إذنه ولا يلتفت في حضوره إلى غيره بل يجلس لديه متوجّها بكلّيّته إليه حتّى لا يشتغل عنده بالذّكر أيضا الّا أن يأمره به ولا يصلّي في حضوره غير الفرائض والسّنن.
ونقل عن سلطان هذا الوقت أنّ وزيره كان قائما عنده فالتفت الوزير في ذلك الوقت اتّفاقا إلى ثوبه وأصلح أزراره بيده فوقع نظر السّلطان عليه في هذا الحال فرآه متوجّها إلى غيره فقال له بلسان العتاب: أنا لا أقدر أن أهضم هذا الفعل تكون وزيري وتلتفت في حضوري إلى غيري وتشتغل بإصلاح أزرار ثوبك فينبغي التّأمّل إذا كانت رعاية الآداب الدّقيقة لازمة في وسائل الدّنيا الدّنيّة تكون رعاية الآداب لازمة على الوجه الأتمّ في وسائل الوصول إلى الله ومهما أمكن لا يقوم في محلّ يقع ظلّه على ثوب شيخه أو على ظلّه ولا يضع رحله في مصلّاه ولا يتوضّأ في متوضّاه ولا يستعمل ظروفه الخاصّة به ولا يشرب ماء ولا يأكل طعاما ولا يكلّم أحدا في حضوره بل لا يكون متوجّها إلى أحد ولا يمدّ رجله عند غيبة شيخه إلى جانب هو فيه ولا يرمى بزاقه إلى ذلك الجانب وكلّ شيء يصدر عن شيخه يعتقده صوابا وإن لم ير صوابا في الظّاهر فإنّه يفعل ما يفعله بطريق الإلهام والإذن فلا يكون للاعتراض مجال على هذا التّقدير وإن تطرّق الخطأ إلى إلهامه في بعض الصّور فإنّ الخطأ الإلهاميّ كالخطأ الاجتهاديّ لا يجوز فيه