(شعر) :
من لم يكن نحو السّعادة مقبلا ... فشهوده وجه النّبيّ لا ينفعه
نعم إذا وصل المريد ببركة توجّه الشّيخ وهمّته إلى مرتبة الفناء والبقاء وظهر له طريق الإلهام والفراسة وسلّم له الشّيخ ذلك وصدّقه وشهد له بالكمال والإكمال فحينئذ يسوغ لمثل هذا المريد أن يخالف شيخه في بعض الامور الإلهاميّة وأن يعمل بمقتضى إلهامه وإن تحقّق عند الشّيخ خلافه فإنّ المريد قد خرج حينئذ عن ربقة التّقليد والتّقليد خطأ في حقّه ألا ترى أنّ الأصحاب الكرام خالفوا رأي النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم في الامور الإجتهاديّة والأحكام الغير المنزّلة وظهر الصّواب في بعض الأوقات في جانب الأصحاب كما لا يخفى على أرباب العلم أولي الألباب فعلم أنّ مخالفة الشّيخ بعد الوصول إلى مرتبة الكمال والإكمال مجوّز وعن سوء الأدب مبرّأ بل الأدب هنا هو هذه المخالفة والّا فأصحاب النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم كانوا مؤدّبين بكمال الأدب لم يفعلوا شيئا بلا تقليد وتقليد أبي يوسف أبا حنيفة رحمهما الله تعالى بعد بلوغه مرتبة الإجتهاد خطأ والصّواب إنّما هو متابعة رأيه لا رأى أبي حنيفة وقد اشتهر عن الإمام أبي يوسف رحمه الله أنّه قال: نازعت أبا حنيفة في مسألة خلق القرآن ستّة أشهر.
ولعلّك سمعت أنّ تكميل الصّناعة بتلاحق الأفكار فإنّها لو بقيت على فكر واحد لما حصلت فيها الزّيادة ألا ترى أنّ النّحو الّذي كان في زمن سيبويه حصل له اليوم باختلاف الآراء وتلاحق الأفكار والأنظار زيادة مائة أمثاله وبلغ نهاية كماله ولكن لمّا كان هو واضع بنائه ومؤسّس أساسه كان الفضل له الفضل لمتقدّمين ولكنّ الكمال لهؤلاء المتأخّرين"مثل أمّتي مثل المطر لا يدرى أوّله خير أم آخره"حديث نبويّ عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام. تنبيه: لرفع شبهة بعض المريدين اعلم أنّهم قالوا: الشّيخ يحيي ويميت، الإحياء والإماتة من لوازم مقام المشيخة والمراد بالإحياء الإحياء الرّوحيّ لا الجسميّ وكذلك المراد بالإماتة الرّوحيّة لا الجسميّة والمراد بالحياة والموت الفناء والبقاء اللّذان يوصلان إلى مقام الولاية والكمال، والشّيخ المقتدى به متكفّل بهذين الأمرين بإذن الله سبحانه فلا بدّ إذا للشّيخ من هذين فمعنى يحيي ويميت يبقى ويفنى ولا دخل للإحياء والإماتة في مقام المشيخة، وحكم الشّيخ المقتدى به كحكم كهرباء كلّ من له مناسبة به يعدو من ورائه وينجذب إليه كالحشيش بالنّسبة إلى كهرباء وينال منه نصيبه مستوفى وليست الكرامات وخوارق العادات لجذب المريدين فإنّ المريدين يتجذّبون إليه بالمناسبة المعنويّة. وأمّا الّذين لا مناسبة لهم بهؤلاء الأكابر فهم محرومون من نعم كمالاتهم وإن شاهدوا ألوفا من كراماتهم ينبغي أن يستشهد لهذا المعنى بأبي جهل وأبي لهب. قال الله سبحانه في حقّ الكفّار: وإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها حَتّى إِذا جاؤُكَ يُجادِلُونَكَ (1) يقول الّذين كفروا إن هذا الّا أساطير الأوّلين.
والسّلام.
(1) الآية: 25 من سورة الأنعام.