اعلم أرشدك الله تعالى: أنّ الولاية عبارة عن قرب إلهيّ لا يتصوّر بلا شائبة الظّلّيّة ولا يحصل بدون حيلولة الحجب فإن كانت ولاية الأولياء فمتّسمة بسمة الظّلّيّة ألبتّة، وولاية الأنبياء وإن كانت خارجة عن الظّلّيّة ولكنّها غير متحقّقة بدون حيلولة حجب الأسماء والصّفات، وولاية الملأ الأعلى وإن كانت فوق حجب الأسماء والصّفات ولكنّها لا بدّ لها من حجب الشّئون والإعتبارات والّتي لمّ يتطرّق عليها شائبة الظّلّيّة وتركت حجب الأسماء والصّفات في الطّريق إنّما هي النّبوّة والرّسالة فتكون النّبوّة أفضل من الولاية بالضّرورة ويكون قرب النّبوّة ذاتيّا وأصليّا، ومن لم يطّلع على حقيقتهما حكم بالعكس وجزم بالقلب، فيكون الوصول في مرتبة النّبوّة والحصول في مقام الولاية فإنّ الحصول لا يتصوّر بدون ملاحظة الظّلّيّة بخلاف الوصول.
وأيضا: إنّ في كمال الحصول رفع الإثنينيّة، وفي كمال الوصول بقاء الإثنينيّة فرفع الإثنينيّة يكون مناسبا لمقام الولاية، وبقاء الإثنينيّة ملائما لمرتبة النّبوّة، فإذا كان رفع الإثنينيّة مناسبا لمقام الولاية يكون السّكر في جميع الوقت لازما لمقام الولاية بالضّرورة وحيث كان في مرتبة النّبوّة بقاء الإثنينيّة يكون الصّحو من خواصّ تلك المرتبة.
وأيضا: إنّ حصول التّجلّيات سواء كان في كسوة الصّور والأشكال أو في حجب الألوان والأنوار كلّه في مقامات الولاية وفي طيّ مقدّماتها ومباديها بخلاف مرتبة النّبوّة فإنّ في ذلك الموطن وصولا إلى الأصل واستغناء عن التّجلّيات والظّهورات الّتي كلّها ظلال ذلك الأصل، وكذلك الإحتياج إلى تلك التّجلّيات وقت طيّ مقدّمات تلك المرتبة ومباديها الّا أن يقع العروج من طريق الولاية فحينئذ حصول تلك التّجلّيات بواسطة الولاية لا بواسطة طيّ مسافة طريق الوصول إلى كمالات النّبوّة. وبالجملة: أن التّجلّيات والظّهورات تنبئ عن الظّلال، والّذي تخلّص عن التّعلّق بالظّلال تخلّص عن التّجلّيات ينبغي أن يطلب سرّ: ما زاغَ الْبَصَرُ من ههنا. أيّها الولد: إنّ اضطراب العشق وطنطنة المحبّة والنّياح المهيّجة للشّوق والصّياح الممتزجة بالتّألّم والذّوق والوجد والرّقص كلّها في مقامات الظّلال وفي أوان الظّهورات والتّجلّيات الظّلّيّة وبعد الوصول إلى الأصل لا يتصوّر حصول هذه الامور، والمحبّة في ذلك الموطن بمعنى إرادة الطّاعة كما قال العلماء لا أنّها معنى زائد عليها منشأ للشّوق والذّوق كما ظنّ بعض الصّوفيّة.
اسمع أيّها الولد: وحيث كان رفع الإثنينيّة مطلوبا في مقام الولاية يسعى الأولياء في إزالة الإرادة بالضّرورة قال الشّيخ البسطام: «أريد أن لا أريد» ، وحيث كان رفع الإثنينيّة غير منظور في مرتبة النّبوّة لم يكن زوال نفس الإدارة مطلوبا وكيف يكون مطلوبا فإنّ الإرادة صفة كاملة في حدّ ذاتها فإن تطرّق النّقص إليها فإنّما هو بواسطة خبث متعلّقاتها فينبغي أن لا يكون متعلّقها أمرا خبيثا وغير مرضيّ، بل يكون جميع المرادات مرضيّ الحقّ سبحانه، وكذلك يجتهدون في مقام الولاية في نفي جميع الصّفات البشريّة،