والمطلوب في مرتبة النّبوّة نفي المتعلّقات السّوء لهذه الصّفات لا نفي أصل هذه الصّفات فإنّها كاملة في حدّ ذاتها؛ مثلا: إنّ صفة العلم من الصّفات الكاملة فإن تطرّق إليها نقص فإنّما هو من جهة سوء متعلّقها فكان الضّروريّ نفي سوء المتعلّق لا نفي أصلها، وعلى هذا القياس: فالّذي وصل إلى مقام النّبوّة من طريق الولاية لا بد له من نفي أصل الصّفات في أثناء الطّريق، والّذي وصل إليه بدون توسّط الولاية لا حاجة له إلى نفي أصل الصّفات، بل ينبغي له نفي المتعلّقات السّوء لهذه الصّفات.
ينبغي أن يعلم: أنّ المراد بهذه الولاية المذكورة الولاية الظّلّيّة الّتي يعبّر عنها بالولاية الصّغرى وولاية الأولياء، وأمّا ولاية الأنبياء الّتي جاوزت الظّلّ فهي غيرها والمطلوب فيها نفي المتعلّقات السّوء للصّفات البشريّة لا نفي أصل تلك الصّفات، فإذا حصل نفي المتعلّقات السّوء للصّفات حصلت ولاية الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام فإن وقع العروج بعد ذلك يكون متعلّقا بكمالات النّبوّة فلاح من هذا البيان أنّه لا بدّ للنّبوّة من أصل الولاية؛ فإنّ الولاية من مباديها ومقدّماتها، وأمّا الولاية الظّلّيّة فلا حاجة إليها في الوصول إلى كمالات النّبوّة، بل تتّفق للبعض ولا يقع العبور عليها للبعض الآخر فافهم ولا شكّ أنّ نفي أصل الصّفات متعسّر بالنّسبة إلى متعلّقاتها السّوء فيكون حصول كمالات النّبوّة أهون وأيسر وأقرب بالنّسبة إلى حصول كمالات الولاية، وهذا التّفاوت بالسّير والقرب جار في كلّ أمر له وصول إلى الأصل بالنّسبة إلى أمور مفارقة للأصل؛ ألا ترى أنّ كيمياء الأصل ميسّر بسهولة العمل وحاصل بأقرب الطّرق،
والّذي فارق أصله في محنة وتعب بحيث يفنى عمره في تحصيله ومع ذلك لا حاصل له غير الحرمان وما حصّله بعد اللّتيا واللّتي له شباهة بالأصل وكثيرا ما تزول عنه تلك الشّباهة العارضة ويعود إلى أصله ويؤول إلى الدّناءة والخباثة بخلاف أصل أصله فإنّه مع وجود سهولة العمل وقرب الطّريق أمين من خوف الزّيوفة والخباثة. ولمّا وصل جماعة من سلّاك هذا الطّريق بالرّياضة الشّاقّة والمجاهدة الشّديدة إلى ظلّ من الظّلال ظنّوا أنّ الوصول إلى المطلب منوط بالرّياضات الشّاقّة والمجاهدات الشّديدة، ولم يعلموا أنّ له طريقا آخر أقرب من هذا الطّريق وموصل إلى نهاية النّهاية وهو طريق الإجتباء الّذي هو منوط بمجرّد الفضل والكرم
والطّريق الّذي اختاره هؤلاء الجماعة هو طريق الإنابة مربوط بالمجاهدة والواصلون من هذا الطّريق أقلّ قليل والواصلون من طريق الإجتباء جمّ غفير، الأنبياء عليهم السّلام كلّهم ساروا على طريق الإجتباء وأصحابهم رضوان الله عليهم أجمعين أيضا وصلوا من طريق الإجتباء بالتّبعيّة والوراثة ورياضات أرباب الإجتباء إنّما هي لأداء شكر نعمة الوصول؛ قال عليه الصّلاة والسّلام في جواب السّائل عن وجه رياضاته الشّديدة مع كون ذنوبه المتقدّمة والمتأخّرة مغفورة"أفلا أكون عبدا شكورا"ومجاهدات أهل الإنابة لأجل حصول الوصول شتّان ما بينهما وطريق الإجتباء الحمل والجذب على الطّريق، وطريق الإنابة السّير على الطّريق وبين الجذب والسّير فوق عظيم يجذب سريعا ويوصل به بعيدا، والسّائر يسير بطيئا، وربّما