يبقى في الطّريق قال حضرة الخواجه بهاء الدّين النّقشبند قدّس سرّه: نحن المفضّلون، نعم: لو لا الفضل كيف يمكن أن تكون نهاية غيرهم مندرجة في بدايتهم ذلِكَ فَضْلُ الله يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ والله ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ.
(ولنرجع) إلى أصل الكلام ونقول: إنّ هذا الفقير قد كتب فيما كتب إلى شيخه المعظّم من العرائض أنّه قد ارتفعت جميع المرادات، ولكنّ نفس الإرادة باقية على حالها، ثمّ كتب بعد مدّة: أنّ الإرادة أيضا صارت مرتفعة مثل المرادات، ولمّا شرّفه الحقّ سبحانه بوراثة الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام علم أنّه كان ارتفاع المتعلّق بالسّوء لتلك الإرادة وزواله لا ارتفاع نفس الإرادة فإنّه لا يلزم ارتفاع أصل الإرادة في حصول ارتفاع المتعلّق السّوء على الوجه الأتمّ والأكمل، بل الشّيء كثيرا ما يتيسّر بمجرّد الفضل ولا يتيسّر عشر عشيره بالتّعمّل والتّكلّف.
أيّها الولد: ينبغي في مقام الولاية اليأس والإعراض الكلّيّ عن الدّنيا والآخرة وأن يعدّ التّعلّق بالآخرة كالتّعلّق بالدّنيا، وأن يرى شوق الآخرة كشوق الدّنيا غير محمودة؛ قال الإمام داود الطّائيّ: «إن أردت السّلامة سلّم على الدّنيا، وإن أردت الكرامة كبّر على الآخرة» . وقال غيره من هذه الطّائفة: إنّ في قوله تعالى: مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا ومِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ الآية شكاية من الفريقين. وبالجملة: انّ الفناء الّذي هو عبارة عن نسيان ما سوى الحقّ سبحانه شامل للدّنيا والآخرة والفناء والبقاء كلاهما من أجزاء الولاية فلا بدّ إذا في الولاية من نسيان الآخرة، والتّعلّق بالآخرة إنّما هو محمود في كمالات النّبوّة، وشوق الآخرة إنّما هو مرضيّ فيها، بل الشّوق والخوف في ذلك الموطن هو شوق الآخرة وخوفه والتّعلّق بالآخرة قوله تعالى: يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وطَمَعًا، وقوله تعالى: ويَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ويَخافُونَ سُوءَ، وقوله تعالى: الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وهُمْ مِنَ السّاعَةِ مُشْفِقُونَ أوصاف أرباب هذا المقام بكاؤهم وأنينهم من تذكّر أحوال الآخرة وألمهم وحزنهم من خوف أهوال يوم القيامة، يستعيذون من فتنة القبر على الدّوام، ويخافون من عذاب النّار، ويلتجؤن منه إلى الملك الجبّار بالتّضرّع التّامّ، شوق الحقّ جلّ وعلا عندهم هو شوق الآخرة، ومحبّتهم محبّة الآخرة فإنّ اللّقاء موعود في الآخرة وكمال الرّضا أيضا موقوف على الآخرة الدّنيا مبغوضة الحقّ جلّ وعلا والآخرة مرضيّته ولا يمكن جعل المرضيّة مساوية للمبغوضة في وقت من الأوقات فإنّ المبغوضة لائقة للإعراض والمرضيّة مستحقّة للإقبال، والإعراض عن المرضيّة عين السّكر وخلاف مدعوّه تعالى المرضيّ وقوله تعالى: والله يَدْعُوا إلى دارِ السَّلامِ شاهد لهذا المعنى، والله سبحانه يرغّب في الآخرة بالمبالغة والتّأكيد فالإعراض عن الآخرة معارضة الحقّ سبحانه في الحقيقة وسعي في رفع مرضيّه، وحيث كان لداود الطّائيّ قدم راسخ في الولاية قال مع جلالة شأنه في حقّ ترك الآخرة إنّه كرامة، ألم يعلم أنّ الأصحاب الكرام عليهم الرّضوان كلّهم كانوا مبتلين بفكر الآخرة وخائفين وجلين من عذابها مرّ عمر رضي الله عنه بدار إنسان فسمع قارئا يقرأ