قد طاب وأن سعيهم قد ضاع وخاب قلبوا ظهر المجن وقالوا للسلطان أنه مستحق للأذية والمحن فإنه كثير الأتباع وقوي الشوكة لو تخلص من هنا لا حدث الاختلال والفن أما ترى إلى استكباره عليكم واستخفافه بكم حيث لم يسجد سجود التحية بل ولا حياكم بالتحية العادية وكان الإمام على ما قيل لم يسلم عليه وقت دخوله لكونه سكران فأثر فيه هذه السعاية وظهر بصفة الغضب والغواية وسلب عن نفسه حلية الرعاية وبعد أن جرى الكلام في حقه بين أهل المجلس ودار أمر السلطان بحبسه قدس سره في قلعة كواليار المشهورة بغاية الحصانة والمتانة في تلك الديار فحبس في المجلس المذكور جناب الإمام كما يحبس سواجع الحمام في قفص اللئام واستترت طلعته البهية من الأنام كما يستتر أنوار بدر التم بحجب الغمام وفي ذلك يقول سحبان الهند السيد غلام على المتخلص بازاد (شعر)
لقد برع الاقران في الهند ساجع ... وجدد فن العشق يا للمغرد
فلا عجب أن صاده متقنص ... الم تر في الاسلاف قيد المجدد
هذه المعاملة لله سبحانه حكم خفية ومصالح جليلة فهي محنة جلية ومنحة جزيلة.
(منها) إن الإمام الرباني قدس سره اطلع بالكشف الصحيح أن وراء ما بلغه من المقامات مقامات آخرى كثيرة عالية جدا وأن الوصول إليها موقوف على التربية الجلالية وقد كانت تربيتها كلها بطريق الجمال وأنه ادرك بالكشف أيضا أنه ينالها بعد أن يتربى بتلك التربية فأخبر أصحابه يوما أنه يصيبه بلاء ومحنة فيما بين الخمسين والستين ليحصل له تلك المنحة فوقع الأمر كما أخبر ونال من تلك المقامات حظا أوفر.
(ومنها) أن الوفا من الكفار والوفا من الفساق والفجار المحبوسين قد تشرفوا بشرف الإيمان والإسلام والتوبة إلى الله سبحانه من جميع المعاصى والآثار وصار بعضهم من الفضلاء الاعلام كل ذلك ببركه قدومه قدس سره في الابتهاج التام ذاك المحبس الظلام حتى قيل أن واحدا من كبراء أمراء الهنود المجوس الذي كان حاضرا في مجلس السلطان وقت تشريف صاحب الأيقان أسلم في ذلك المجلس لما رأى من شدة صلابة الإمام قدس سره في الدين وطعرضه للموت بعدم المبالاة بشدة غضب السلطان لتيقنه أن ذلك لا يكون إلا من شدة قوة الإيمان واستيلاء نور الايقان وقيل أن وزير السلطان عين لتوليتة حراسته في الحبس أخاه وكان من غلاة الروافض قصدا بذلك اجراء كمال الشدة بالإمام فلما رأى منه المذكور أنواع الكرامة وعدم الانزعاج وكمال الوقار بل المحبس تاب إلى الله تعالى ونفض عن نفسه غبار الرفض وتحلى بحلية السنية وصار من جملة المحبين والمخلصين فيها لها من نعمة جزيلة في صورة نقمة جليلة ولهذا كان الإمام قدس سره راضيا من السلطان وممنونا من معاملته هذا وداعيا له بالخير وكن بعض أصحابه يقصدون الإيقاع بالسلطان وكانوا مقتدرين على ذلك ولكن كان الإمام يمنعهم مما هنالك في النوم واليقظة ويأمرهم بالدعاء للسلطان بالخير حيث صار سببا لحصول ما كان يتمناه طول عمره ويقول أن اضرار السلطان اضرار بجميع الخلق يعرف صدق ذلك بالمراجعة إلى مكاتيبه التي بنقل الثقات أن شاهجان ولد السلطان جهانكير لما خرج على ابيه بطلب السلطنة ولم يتيسر له الفتح والظفر مع كثرة اتباعه وكون أمراء ابيه معه في الباطن شكا حاله إلى واحد من أولياء عصره فقال أن الظفر موقوف على اتفاق اربعة من أقطاب ذلك الوقت عليه وقد إتفق ثلاثة منهم عليه دون الرابع وهو أكبرهم وهو حضرة الإمام المجدد قدس سره فجاء عنده والتمس منه الدعاء بالفتح والظفر فمنعه الإمام الرباني من مخالفة ابيه ونصحه وأمره بالرجوع إلى موافقته وبشره بصيرورة السلطنة إليه عن