فهرس الكتاب

الصفحة 558 من 1087

ملاكها تخلية القلب عما سوى المحبوب الحقيقي وللوصول إلى حصول هذه الدولة العظمى طريقا ما سلكها احد إلا وصل المقصود وهي أن يذكر اسم المحبوب الحقيقي ابتداء بلسانه ويحضره بقلبه منزلا اسمه على مسماه المحيط علمه بالاشياء من غير فتور في هذا الذكر حتى يغوص حديث النفس في القلب بذكره فإذا رأى قلبه ذاكرا للمحبوب وانحصر في ذكره حديث النفس ينبغي أن لا يرضى بذلك فيترك الذكر بل يداوم على الذكر حتى يلتذ قلبه من ذكره فيترقى بالمداومة المذكورة أيضا إلى أن ينقطع قلبه عن الالتذاذ بغيره من سائر اللذات الدنيوية والأخروية فلا يبقى لقلبه ح متعلق سواه فيكون كله مشغولا بحيث لو اراد أن يحب غيره ولو بالتكلف ما يمكن من ذلك والمكالمة والمناجاة اللتان يحصلان للسانك إنما هما في هذه الحالة فيصير ح بحيث لو تكلم مع أحد كان الكلام معه وكذا لو نظر إلى أحد كان ناظرا إليه وهذا هو الحضور المنزه عن الغيبة المعبر عنه في الحديث القدسي بقوله ولا يزال عبدى يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه فإذا احببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي ويبصر به ولسانه الذي ينطق به ويده الذي يبطش به ورجله الذي يمشي به وعقله الذي يعقل به فخ لا تمنعه الاشتغال الصورية الضرورية عن هذه العلاقة الحبية المعنوية إذ تمكن باطنه عن مناجاة الحق وهو بظاهره مع الخلق فهو كائن بائن وهذا المعنى عبارة عن بلوغ السالك كما قالت رابعه رض (شعر)

ولقد جعلتك في الفؤاد محدثي ... وأبحث جسمي من أراد جلوس

فالجسم مني للجليس مؤانس ... قلبي في الفؤاد انيسي

فصاحب الدولة الذي حصل له في الدنيا هذا التعلق الحبي بالحق سبحانه إذا فارق روحه من بدنه يحصل وصال واتصال دائمي بربه فإن القلب الذي شفعه الحب وإن كان واصلا إلى محبوبه في هذا العالم ولكن يقع عليه حجاب رقيق لأجل المقتضيات البشرية فلما انقطع الروح عن الجسد زال ذلك الحجاب بالكلية اذ زوال العلة التامة للشيء يستلزم زوال معلومها والجسد علة الحجاب الرقيق وقد زالت مزاحمته لروح المحب المذكور بالموت الطبيعي فلا حجاب لهذا الروح بعد الموت اصلا (تمثيل) اذا اردنا أن نشغل أناسا بمحبة محبوب فطريقه أن يقى في الحارة الفلانية محبوب كذا وكذا نعته مما يستلزم التوجه إليه فينبغي أن تحبه لأنك اذا احببته تلتذ بمحبته فتفوز بوصاله والانسان مجبول بمحبة ما يلتذ منه فيميل قلبه بمجرد سماع نعته إلى محبته ولكنه ما يعرف طريق تحصيل هذه السعادة فالطريق له أن يق له ما يمكنك الاستسعاد بها إلا بان تكثر من ذكره وتزجر قلبك عن الاشتغال بغيره فيميل إليه واذا داوم على الذكر بزيد الميل فيلتذ قلبه من هذا الميل بازدياد اللذة إلى أن تستحكم العلاقة التي هي الارتباط الحيي فلا يبقى في يده زمام اختيار القلب اذ شغفته محبته فيحبه سواء اراد او لم يرد فلا تسع القلب محبة الغير بل لا يسعه الاشتغال باسم المحبوب فينسى الاسم من غلبة المسمى عليه ويترقى من هذا الحال إلى مرتبة استيلاء نفس الحب كما قال العامري لليلى دعيني فقد شغلني حبك عنك بانصباغ طرفيه بصبغة وهي الوحدة المحظة صبغة الله ومن احسن من الله صبغة اذا علم ان حصول المحبة إنما هو في الاشغال باسمه فاعلم أن أفضل الاذكار ذكر لا إله إلا الله اذ هذه الكلمة مركبة من النفي والاثبات والحجب الحاصلة للعبد إنما هي بواسطة انتقاش الصور الكونية في القلب وفي هذا الانتقاش اثبات الغير ونفي الحق فلا يحصل القرب إلا برفع الحجاب وذلك بإثبات الحق ونفي الغبر كما هو المفهوم من هذه الكلمة الطيبة فالمبتدي اذا اراد أن يشتغل بها فليقصر امله وليحصر حياته في النفس الذي هو فيه وفي هذا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت