فهرس الكتاب

الصفحة 585 من 1087

العالم الخباثة الذّاتيّة والشّرّ الجبليّ وكان الخير والجمال كلّه عائد إلى جانب قدسه جل وعلا وقوله تعالى ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ الله وما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ (1) مؤيّد لهذه المعرفة والله سبحانه الملهم. (فعلم من هذا التّحقيق) أنّ العالم موجود في الخارج بوجود ظلّيّ كما أنّ الحقّ سبحانه موجود في الخارج بوجود أصليّ بل بذاته غاية ما في الباب: أنّ هذا الخارج أيضا ظلّ ذلك الخارج مثل الوجود والصّفات فلا يمكن أن يقال للعالم: «إنّه عين الحقّ جلّ وعلا"ولا يجوز حمل أحدهما على الآخر فإنّه لا يمكن أن يقال لظلّ شخص: «إنّه عين الشّخص"لوجود التّغاير بينهما في الخارج لانّ الإثنين متغايران فإذا قال شخص لظلّ شخص: إنّه عين ذلك الشّخص إنّما يقول ذلك على سبيل التّسامح والتّجاوز وهو خارج عن المبحث. (فإن قيل) إنّ الشّيخ محيي الدين وتوابعه أيضا يقولون: «إنّ العالم ظلّ الحقّ تعالى فما يكون الفرق (قلنا) إنّهم لا يرون وجود ذلك الظّلّ (2) في غير الوهم ولا يجوّزون وصول رائحة من الوجود الخارجيّ إليه. (وبالجملة) أنّهم يعبّرون عن الكثرة الموهومة بظلّ الوحدة الموجودة ويرون الموجود واحدا في الخارج شتّان ما بينهما فصار منشأ حمل الظّلّ على الاصل وعدم ذلك الحمل هو إثبات الوجود الخارجيّ للظّلّ وعدم إثباته وهم - لمّا لم يثبتوا للظّلّ وجودا خارجيّا - حملوه على الاصل بالضّرورة. وحيث يري هذا الفقير الظّلّ موجودا في الخارج لا يبادر إلى الحمل والفقير متّفق معهم في نفي الوجود الاصليّ عن الظّلّ ومتّفق أيضا في إثبات الوجود الظّلّيّ ولكنّ هذا الفقير يثبت الوجود الظّليّ في الخارج وهم يظنّون الوجود الظّلّيّ في الوهم والتّخيّل ولا يقولون بوجود موجود في الخارج غير الاحديّة المجرّدة ولا يثبتون الصّفات الثمانية الّتي ثبت وجودها في الخارج على آراء أهل السّنّة والجماعة رضي الله عنهم في غير موطن العلم فوقع العلماء الظاهريّة وهؤلاء الاكابر - رضي الله عنهم - في طرفي الإقتصاد وكان الحقّ المتوسّط نصيب هذا الفقير ووفّق به. فإن عرف هؤلاء الاكابر أن هذا الخارج ظلّ ذلك الخارج لمّا أنكروا وجود العالم في الخارج ولم يقتصروا على الوهم والخيال ولا أنكروا أيضا وجود صفات واجب الوجود في الخارج ولئن تنبّه العلماء أيضا لما أثبتوا للممكن وجودا أصليّا بل اكتفوا بالوجود الظّلّيّ وما كتبه الفقير في بعض مكتوباته أن إطلاق الوجود على الممكن بطريق الحقيقة لا بطريق المجاز ليس بمناف لهذا التّحقيق فإنّ الممكن موجود في الخارج بوجود ظلّيّ بطريق الحقيقة لا على سبيل التّخيّل والتّوهّم كما زعموا. (فإن قيل) إنّ صاحب الفتوحات المكّيّة قال بأنّ

(1) النساء: 79

(2) الظل: هو الوجود الإضافي الظاهر بتعينات الأعيان الممكنة وأحكامها التي هي معدومات ظهرت باسمه النور الذي هو الوجود الخارجي المنسوب إليها فيستر ظلمة عدميتها النور الظاهر بصورها صار ظلا لظهور الظل بالنور وعدميته في نفسه. قال تعالى: «ألم تر إلى ربك كيف مد الظل"أي بسط الوجود الإضافي على الممكنات فالظلمة بإزاء هذا النور هو العدم وكل ظلمة فهو عبارة عن عدم النور عما من شاته أن يتنور؛ ولهذا سمي الكفر ظلمة؛ لعدم نور الإيمان عن قلب الإنسان الذي من شأنه أن يتنور به. الكاشاني: معجم إصطلاحات الصوفية: 184."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت