الإنسانيّة الّتي هي من عالم الامر والقلب في لسان النّبوّة على صاحبها الصّلاة والسّلام والتّحيّة عبارة عن المضغة الّتي صلاح البدن مربوط بصلاحها وفساد البدن منوط بفسادها كما ورد في الحديث النّبويّ عليه وعلى آله الصّلوات والتّسليمات: «إنّ في جسد ابن آدم لمضغة إذا صلحت صلح الجسد كلّه وإذا فسدت فسد الجسد كلّه ألا وهي القلب» (1) ووسعة القلب لازم لاطلاق الاوّل ومن ههنا أخبر أبو يزيد والجنيد عن وسعة القلب وظنّوا العرش وما فيه محقّرا في جنب عظمة القلب. وضيق القلب لازم الإطلاق الثاني وضيق القلب في هذا المقام على نهج لا مجال فيه للجزء الذي لا يتجزّى الذي هو أحقر الاشياء وأصغرها وإذا نسب ضيق القلب في بعض الاوقات إلى الجزء الذي لا يتجزّى وقيس عليه يظهر ذلك الجزء المحقّر في النّظر مثل طبقات السّموات والارض وهذه المعاملة وراء طور نظر العقل فلا تكن من الممترين هذا (فإذا علمت) هذه المقدّمة فاعلم أنّ الظّهور الذي هو مربوط بالحقيقة الجامعة لا شكّ أنّه لمعة (2) بالنّسبة إلى الظّهور العرشيّ التّامّ والفضل الكلّيّ في هذا المقام للعرش. وما قال الشّيخ أبو يزيد والشّيخ جنيد من أنّ القلب أوسع من الكلّ وتخيّلا العرش وما فيه شيئا محقّرا في جنبه: فهو من قبيل اشتباه الشّيء بأنموذج الشّيء حيث انّهما لمّا رأيا أنموذجات العرش وما فيه محقّرا في جامعية (3) القلب حكموا على حقائق العرش وما فيه. وقد كتب هذا الفقير منشأ هذا الإشتباه في كتبه ورسائله مكرّرا وما ورد في الحديث القدسيّ موافق للسان الانبياء - عليهم الصّلاة والسّلام - والمراد به هو المضغة ولا شكّ أنّ الظّهور الاتمّ هو هنا ومرآتيّة أحديّة الذّات المجرّدة مسلّمة له والعرش - وإن كان له من الظّهور التّامّ الذي هو ظهور الاصل نصيب وافر - ولكن في ذلك الموطن امتزاج الصّفات وحيث كانت الصّفات ظلال حضرة الذّات في الحقيقة لا يكون ذلك الظّهور خاليا عن شائبة الظّلّيّة ومن ههنا للعرش توقّعات من الظّهور الإنسانيّ الذي يتعلّق بالاصل الصّرف ومركز هذه المعاملة هو الإنسان. (فإن قيل) المفهوم من الحديث وسعة القلب وأنت تقول: إنّه ضيّق جدّا (أجيب) أنّ كونه ضيّقا إنّما هو باعتبار عدم اتّساعه لما سوى الحقّ سبحانه ووسعته باعتبار ظهور أنوار القدم فيه فلا منافاة وهذا الفقير عبّر عن ذلك القلب في بعض رسائله بهذه العبارة"الضّيّق الاوسع البسيط الابسط والاقلّ الاكثر» (فإن قيل) إنّ"
(1) صحيح البخاري: كتاب الإيمان. باب: فضل من استبرأ لدينه. ح 52. ومسلم: ك: المساقاة ب: أخذ الحلال وترك الشبهات. ح 107.
(2) اللمعة مفرد لوامع وهي: الأنوار الساطعة التي تلمع لأهل البدايات من أرباب النفوس الضعيفة الطاهرة فتنعكس من الخيال إلى الحس المشترك فتصير مشاهدة بالحواس الظاهرة فيتراءى لهم أنوار كأنوار الشهب والشمس والقمر فتضيئ ما حولهم. وهي إما من غلبة أنوار القهر والوعيد على النفس فتضرب إلى الحمرة إما من غلبة أنوار اللطف والوعد فتضرب إلى الخضرة والفقوع. انظر: الكاشاني: معجم اصطلاحات الصوفية: 92.
(3) الجمعية: هي إجتماع الهم في التوجه إلى الله والإشتغال به عما سواه وبإزائها التفرقة وهي: توزع الخاطر للإشتغال بالخلق. انظر: الكاشاني: معجم اصطلاحات الصوفية: 67.