(وشهود) بعض السّالكين الّذي هو في مرايا التّعيّنات الكونيّة أيضا من قبيل الأحكام السّابقة ويسمّون هذا الشّهود شهود الوحدة وشهود الأحديّة في الكثرة فإنّ (1) الواجب تعالى وتقدّس منزّه عن الكيف والكيفيّات لا تسعه مرايا المكيّف أصلا ولا مجالى المنكمّ قطعا لا يحصل اللّامكانيّ في المكان ينبغي أن يطلب المنزّه عن الكيف في خارج دائرة المكيّف، وأن يبتغي اللّامكانيّ فيما وراء المكان.
وكلّما يشاهده في الآفاق والأنفس فهو من آياته سبحانه وتعالى وتقدّس. قال قطب دائرة الولاية يعني حضرة الخواجه بهاء الدّين النّقشبند قدّس الله تعالى سرّه: كلّما كان مشهودا أو مسموعا أو معلوما فهو غيره تعالى ينبغي نفيه في الحقيقة بكلمة لا، (شعر) :
در تنكناى صورت معنى كونه چكنجد ... در كلبهء كدايان سلطان چه كار دارد
صورت پرست غافل معنى جه داند آخر ... كويا جمال جانان پنهان جه كار دارد
فإن قيل: قد وقع في عبارات كثير من مشائخ النّقشبنديّة وغيرهم صريحا وحدة الوجود والقرب الذّاتيّ والمعيّة الذّاتيّة وشهود الوحدة والأحديّة في الكثرة. أجيب: انّ تلك الأحوال إنّما حصلت لهم في توسّط الأحوال، ثمّ ترقّوا بعد ذلك عن ذلك المقام، كما كتب هذا الفقير عن أحواله فيما تقدّم.
(وجواب آخر) أنّ جمعا من السّالكين مع وجود التّوجّه التّامّ فيهم إلى جانب الأحديّة الصّرفة بباطنهم تتشرّف ظواهرهم الّتي هي مشاهدة للكثرة بتلك الأحكام والشّهود فهم بحسب الباطن متوجّهون إلى الأحديّة وفي الظّاهر مشاهدون للمطلوب في الكثرة، كما أخبرت عن حال والدي في أوائل هذا المكتوب. وتفصيل تحقيق هذا الجواب مسطور في الرّسالة المؤلّفة في تحقيق مراتب وحدة الوجود، ولا يتحمّل هذا المقام زيادة على ذلك.
(لا يقال) : إذا كان في نفس الأمر وجودات متعدّدة ولم يكن قرب ذاتيّ وإحاطة ذاتيّة ولم يكن شهود الوحدة في الكثرة مطابقا للواقع يكون حكم هؤلاء الأكابر كاذبا; لكونه غير مطابق للواقع ونفس الأمر (لأنّا نقول) : إنّ هؤلاء الأكابر إنّما حكموا على مقدار شهودهم مثل من يحكم برؤية صورة زيد في المرآة، وهذا الحكم مع كونه غير مطابق للواقع فإنّه لم ير في المرآة صورة زيد أصلا لأنّه لا صورة في المرآة قطعا حتّى ترى، لا يقال لهذا الشّخص في العرف إنّه كاذب فيه، وإن لم يكن مطابقا لنفس الأمر فهو معذور في هذا الحكم، وعلامة الكذب مرتفعة عنه كما مرّ سابقا. والمقصود من إظهار الأحوال اللّازمة الإخفاء والسّتر هو الإيذان والإعلام بأنّه لو كان منّا قبول وحدة الوجود فهو من طريق الكشف لا على وجه التّقليد، وإن وجد منّا إنكار فهو أيضا من الإلهام. فلا مجال إذا للإنكار يعني على هذا الإنكار وإن لم يكن الإلهام حجّة على الغير.
(1) علة لقوله من قبيل الأحكام السابقة سند عفى عنه. (محمد مراد القزاني رحمة الله عليه)