فهرس الكتاب

الصفحة 647 من 1087

التّوقّف وكان ترجيح إحديهما على الاخرى خطأ في حقّهم. فعمل كلّ فرقة من هذه الفرق الثلاث بمقتضى اجتهادهم وأدّوا ما هو الواجب واللّازم على ذمّتهم فكيف يكون للملامة مجال فيهم؟! وكيف يكون الطّعن مناسبا لهم؟! وقال الإمام الشّافعيّ ونقل عن عمر بن عبد العزيز أيضا رضي الله عنهما:

"تلك دماء طهّر الله عنها أيدينا فلنطهّر عنها السنتنا». ويفهم من هذه العبارة أنّه لا ينبغي تحريك الشّفتين أيضا بحقّيّة إحديهما وتخطئة الاخرى وأن لا يذكر كلّهم بغير الخير. وكذلك ورد في الحديث النّبويّ حيث قال النبىّ - عليه الصّلاة والسّلام -"إذا ذكر أصحابي فأمسكوا» (1) . يعني: إذا ذكر أصحابي ومنازعاتهم فامتنعوا عن ذلك ولا تختاروا أحدهم على الآخر. ولكنّ جمهور أهل السّنّة ذاهبون لما ظهر لهم بدليل إلى أنّ الحقّ في جانب عليّ كرّم الله وجهه ومخالفوه سالكون طريق الخطأ ولكن لمّا كان هذا الخطأ خطأ اجتهاديّا بعد عن الملائمة والطّعن وتنزّه عن التّحقير وتبرّأ من التّشنيع ونقل عن عليّ رضي الله عنه أنّه قال"إخواننا بغوا علينا لا هم كفّار ولا فسّاق فإنّ لهم تأويلا يمنع عنهم الكفر والفسق"فأهل السّنّة والرّافضة كلاهما يخطئون محاربي عليّ وكلاهما يقولون بحقّيّة جانبه ولكن لا يجوّز أهل السّنّة الزّيادة على إطلاق لفظ الخطإ النّاشئ عن التأويل في حقّ محاربيه ويحفظون اللّسان من طعنهم وتشنيعهم ويراعون حقّ صحبة خير البشر عليه وعليهم الصّلاة والسّلام قال رسول الله - صلّى الله عليه وسلّم -"الله الله في أصحابي لا تتّخذوهم غرضا بعدي"وكرّر لفظ الجلالة للتّأكيد وقال أيضا"أصحابي كالنّجوم بأيّهم اقتديتم اهتديتم» (2) وورد أحاديث أخرى كثيرة في باب تعظيم الاصحاب وتوقيرهم أجمعين؛ فينبغي إعزازهم وتكريمهم جميعا وحمل زلّاتهم على محامل حسنة وهذا هو مذهب أهل السّنّة في هذه المسألة. والرّوافض يغالون في هذا الباب حتّى يكفّرون محاربى عليّ ويلوّثون السنتهم بأنواع الطّعن وأقسام الشّتم فإن كان المقصود ظهور حقّيّة جانب عليّ وإظهار خطإ محاربيه فما اختاره أهل السّنّة كاف فيه وعلى حدّ الإعتدال والطّعن في أكابر الدين بعيد عن الديانة والتّديّن كما اختاره الرّافضة وزعموا شتم أصحاب رسول الله - صلّى الله عليه وسلّم - دينهم وإيمانهم ما أقبحه من دين!! حيث إنّ جزءه الاعظم سبّ نوّاب النّبىّ وشتم خلفائه عليه وعليهم الصّلاة والسّلام. واختار كلّ واحدة من طوائف المبتدعة بدعة وامتاز بها عن أهل السّنّة والجماعة ولكنّ فرقة الخوارج والرّوافض من بين"

(1) حسن: الطبراني: أخرجه الطبراني في المعجم الكبير من حديث عبد الله بن مسعود الهذلي. وحسنه السيوطي في الجامع الصغير ح 615. وقال الحافظ العراقي: رواه الطبراني من حديث ابن مسعود بإسناد حسن. (تخريج أحاديث الإحياء. ك: العلم.) وقال الهيثمي: رواه الطبراني وفيه يزيد بن ربيعة وهو ضعيف. (مجمع الزوائد: ك: القدر ب: النهي عن الكلام في القدر ح 11850) وفي ح 11851 قال: رواه الطبراني وفيه مسهر بن عبد الملك وثقه ابن حبان وغيره وفيه خلاف، وبقية رجاله رجال الصحيح.

(2) قال العجلوني: رواه البيهقيو أسنده الديلمي عن ابن عباس بلفظ أصحابي بمنزلة النجوم في السماء بأيهم اقتديتم اهتديتم. وأورده القاري في شرح مسند أبي حنيفة بدون نسبة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت