وجاهلون بمحبّتهم المتوسّطة اختاروا لانفسهم جانب الإفراط وظنّوا وراء الإفراط تفريطا وحكموا بالخروج وزعموه مذهب الخوارج ولم يعلموا أنّ بين الإفراط والتّفريط حدّا وسطا هو مركز الحقّ وموطن الصّدق الذي صار نصيبا لاهل السّنّة والجماعة شكر الله سعيهم. (والعجب) أنّ أهل السّنّة هم الذين قتلوا الخوارج واستأصلوا أعداء أهل البيت ولم يكن من الرّفضة في ذلك الوقت اسم ولا رسم فإن كان له حكم العدم وكأنّهم تصوّروا محبّي أهل البيت بزعمهم الفاسد رفضة وتخيّلوا أهل السّنّة بتلك العلاقة روافض يا لها من معاملة عجيبة!! حيث يعدّون أهل السّنّة أحيانا من الخوارج لعدم إفراط المحبّة ويزعمونهم أحيانا روافض لما يحسّون فيهم من نفس المحبّة ولهذا تراهم يزعمون من جهالتهم الأولياء العظام من أهل السّنّة الذين يذكرون محبّة أهل البيت ويظهرون حبّ آل محمّد - صلّى الله عليه وسلّم: روافض ويظنّون كثيرا من كبار علماء أهل السّنّة الذين يمنعون من إفراط تلك المحبّة ويحرّضون على تعظيم الخلفاء الثلاثة وتوقيرهم خوارج فآه الف آه من جراءتهم الغير المناسبة أعاذنا الله سبحانه من إفراط تلك المحبّة وتفريطها ومن إفراط المحبّة اشترطوا في تحقّق محبّة عليّ التّبرّي من الخلفاء الثلاثة وغيرهم ينبغي الإنصاف ما معنى المحبّة الّتي يشترط في حصولها التّبرّي من نوّاب النّبىّ - صلّى الله عليه وسلّم - وقائمي مقامه وسبّ أصحاب خير البشر وطعنهم رضوان الله عليهم أجمعين. وذنب أهل السّنّة إنّما هو ضمّهم إلى محبّة أهل البيت توقير جميع أصحابه - صلّى الله عليه وسلّم - وتعظيمهم وجمعهم إيّاهما معا بحيث لا يذكرون أحدا منهم بسوء مع وجود المنازعات والمخالفات فيما بينهم وينزّهونهم عن الاهواء النّفسانيّة والتّعصّبات البشريّة من جهة تعظيم صحبة النّبيّ وتكريم مصاحبيه عليه وعليهم الصّلاة والسّلام ومع ذلك يقولون للمحقّ محقّا وللمبطل مبطلا ولكن مع تنزيه بطلانه من الهوى (1) والهوس وإحالته على الرّأي والاجتهاد. وإنّما يرضى الرّوافض عن أهل السّنّة والجماعة إذا هم تبرّوا عن سائر الاصحاب الكرام مثلهم وأساؤا ظنّهم بهؤلاء الاكابر كما أنّ رضاء الخوارج عنهم مربوط بعداوة أهل البيت ومنوط ببغض آل محمّد عليه وعليهم الصّلوات والبركات رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهّابُ (2) وكان أصحاب رسول الله - صلّى الله عليه وسلّم - عند أكابر أهل السّنّة والجماعة - شكر الله سعيهم - في وقت منازعة بعضهم بعضا ثلاث فرق: فرقة عرفوا حقّيّة جانب عليّ بالدّليل والاجتهاد. وجماعة أخرى وجدوا أيضا بالدّليل والاجتهاد حقّيّة جانب آخر.
وطائفة ثالثة كانوا متوقّفين لم يرجّحوا جانبا واحدا بالدّليل فلزمت الطّائفة الأولى نصرة جانب عليّ بمقتضى اجتهادهم. ولزمت الطّائفة الثانية نصرة جانب مخالفيه على مؤدّى اجتهادهم. ولزم الطّائفة الثالثة
(1) الهوى: هو ميل النفس إلى مقتضيات الطبع والإعراض عن الجهة العلوية بالتوجه إلى الجهة السفلية. انظر: الكاشاني: معجم اصطلاحات الصوفية: 72.
(2) آل عمران: 8