فهرس الكتاب

الصفحة 656 من 1087

برأى غيره واجتهاده حسبنا كتاب الله يعني: القرآن المجيد مأخذ القياس (1) والاجتهاد (2) وكاف للمستنبطين فيستنبط منه الاحكام وتخصيص الكتاب بالذّكر يمكن أن يكون أنّه علم بالقرائن أنّ تلك الاحكام الّتي هو صلّى الله عليه وسلّم في صدد كتابتها مأخذها الكتاب لا السّنّة حتّى يذكر السّنّة فكان منع الفاروق من جهة الشّفقة والمرحمة لئلّا يصدّع النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم بشيء في شدّة الوجع وكان أمره صلّى الله عليه وسلّم بإتيان القرطاس للاستحسان لا للوجوب ليكون غيره مستريحين من مشقّة استنباطه فلو كان أمر"ائتونى"للوجوب لبالغ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم فيه ولما كان يعرض عنه لمجرّد الإختلاف (فإن قيل) قد قال الفاروق في ذلك الوقت"أهجر استفهموه!"فما يكون المراد منه؟ (أجب) لعلّ الفاروق فهم في ذلك الوقت أنّ هذا الكلام إنّما صدر عنه صلّى الله عليه وسلّم بواسطة الوجع من غير قصد اختيار كما يتوهّم من لفظ"اكتب"فإنّه صلّى الله عليه وسلّم كان أمّيّا لم يكتب شيئا أصلا وأيضا انّه قال"لن تضلّوا بعدي» (3) ."

فإذا كان الدين كاملا وصارت النّعمة تماما وحصل رضا المولى به كيف تتصوّر الضّلالة بعد ذلك وماذا يقدر يكتب في ساعة واحدة حتّى تندفع به الضّلالة ألم يكف الذين كتب في مدّة ثلاث وعشرين سنة ولم تندفع به الضّلالة ويكتب في ساعة واحدة شيء مع وجود شدّة المرض تندفع به الضّلالة فعلم الفاروق من هنا أنّ هذا الكلام جرى على لسانه الشّريف من غير قصد منه بناء على البشريّة فقال"حقّقوا هذا المعنى بالاستفسار منه ثانيا"فارتفع الكلمات في أثناء الإختلاف فقال النّبىّ - صلّى الله عليه وسلّم: «قوموا ولا تختلفوا فإنّه لا يستحسن النّزاع عند نبىّ"ولم يقل ثانيا من هذه المقولة شيئا ولم يذكر دواتا ولا قرطاسا (ينبغي) أن يعلم أنّ الإختلاف الواقع من الاصحاب الكرام في بعض الامور الإجتهاديّة بالنّسبة إلى النّبىّ عليه وعليهم الصّلاة والسّلام لو كان عياذا بالله سبحانه فيه شائبة الهوى والتّعصّب لانجرّ ذلك إلى اللّحوق بزمرة أهل الإرتداد واخراج الرّأس من ربقة الإسلام فإنّ سوء الادب وسوء المعاشرة معه صلّى الله عليه وسلّم كفر أعاذنا الله سبحانه منه بل كان هذا الإختلاف بناء على أمر"فاعتبروا"فانّ من كان فيه رتبة الإجتهاد فتقليده اجتهاد غيره ورأيه في الامور الإجتهاديّة خطأ ومنهيّ عنه نعم لا مجال في"

(1) القياس: قول مؤلف من قضايا إذا سلمت لزم عنها لذاتها قول آخر كقولنا العالم متغير وكل متغير حادث؛ فإنه قول مركب من قضيتين إذا سلمتا لزم عنهما لذاتهما: العالم حادث. انظر: الجرجاني: التعريفات: 232.

(2) الاجتهاد: في اللغة: بذل الوسع وفي الإصطلاح: استفراغ الفقيه الوسع ليحصل له ظن بحكم شرعي وبذل المجهود في طلب المقصود من جهة الاستدلال. انظر: الجرجاني: التعريفات: 23.

(3) غريب حسن: الترمذي بنحوه عن جابر بن عبد الله: سنن الترمذي: ك: أبواب المناقب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ب: مناقب أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم. ح 3874.، وقال: حديث غريب حسن. وأحمد في المسند مسند أبي سعيد الخدري. الطبراني في المعجم الكبير: حديث الحسن بن علي بن أبي طالب - رضي الله عنهم جميعا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت