فهرس الكتاب

الصفحة 657 من 1087

الاحكام المنزّلة الّتي لا مدخل فيها للرّأى والاجتهاد لغير التّقليد والإيمان والانقياد واجب فيها غاية ما في الباب أنّ أصحاب القرن الاوّل كانوا برآء من التّكلّفات ومستغنين عن تحسين العبارات وإنّما كان اهتمامهم في إصلاح الباطن وكان ظاهرهم مطروحا عن نظرهم وغير ملحوظ أصلا وكانت مراعاة الآداب في ذلك القرن باعتبار الحقيقة والمعنى لا باعتبار الظّاهر والصّورة فقط وكان حالهم امتثال أمر الرّسول - صلّى الله عليه وسلّم - ومعاملتهم الإجتناب عمّا ليس بمرضيّ عنده صلّى الله عليه وسلّم جعلوا آباءهم وأمّهاتهم وأولادهم وأزواجهم فداء له عليه الصّلاة والسّلام ومن كمال اعتقادهم وإخلاصهم لم يتركوا بزاق النّبىّ صلّى الله عليه وسلّم ليقع في الارض بل كانوا يأخذونه ويمسحونه أبدانهم ووجوههم مثل ماء الحياة وقصدهم شرب دمه صلّى الله عليه وسلّم بعد الفصد من كمال الإخلاص مشهور ومعروف فإن صدرت عن هؤلاء الاكابر عبارة موهمة لسوء الادب بالنّسبة إليه صلّى الله عليه وسلّم عند أهل هذه القرون الّتي هي ملآنة من الكذب والخداع ينبغي أن يحملها على محمل حسن وأن يذهب إلى حاصل العبارة وأن لا يلاحظ الالفاظ من أىّ قسم كانت وهذا هو طريق السّلامة والله سبحانه الموفّق (فإن قيل) إذا كان في الامور الإجتهاديّة مجال الخطأ كيف يكون الوثوق بجميع الاحكام الشّرعيّة المنقولة عنه عليه الصّلاة والسّلام (أجيب) أنّ الاحكام الإجتهاديّة صارت في المآل وثانى الحال أحكاما منزّلة سماويّة فإنّ تقرير الانبياء على الخطأ غير جائز فينزل في الاحكام الإجتهاديّة بعد ثبوت اجتهاد المستنبطين واختلاف آراءهم حكم من عند الحقّ جلّ وعلا يفرّق الصّواب من الخطأ ويميّز المحقّ من المبطل فكانت الاحكام الإجتهاديّة في زمانه صلّى الله عليه وسلّم بعد نزول الوحى وتميّز الصّواب من الخطأ أيضا قطعيّ الثبوت لم يبق فيها احتمال الخطأ فجميع الاحكام الّتي ثبتت في زمنه صلّى الله عليه وسلّم قطعيّ محفوظ عن احتمال الخطأ لانّها ثبتت بوحى قطعيّ ابتداء وانتهاء وكان المقصود من الإجتهاد في استنباط هذه الاحكام هو أن يحصل للمجتهدين والمستنبطين أنواع العناية وارتفاع درجات الكرامة وينال المصيب والمخطئ ثوابا على تفاوت الدرجات ففى الاحكام الإجتهاديّة ارتفاع درجات المجتهدين وقطعيّة تلك الاحكام نعم إنّ الاحكام الإجتهاديّة بعد انقراض زمان النّبوّة ظنّيّات مفيدة للعمل لا مثبتة للاعتقاد حتّى يكون منكرها كافرا الّا أن ينعقد إجماع المجتهدين على حكم فيكون حينئذ مثبتا للاعتقاد أيضا ولنختم المكتوب بالخاتمة الحسنة في فضائل أهل بيت الرّسول عليه وعلى آله وأصحابه الصّلاة والسّلام روى ابن عبد البرّ أنّه قال عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام"من أحبّ عليّا فقد أحبّنى ومن أبغض عليّا فقد أبغضنى ومن آذي عليّا فقد آذاني ومن آذاني فقد آذي الله"وأخرج التّرمذيّ (1) والحاكم (2) وصحّحه عن بريدة (3) قال قال رسول الله - صلّى الله عليه وسلّم: «إنّ الله

(1) محمد بن عيسى بن سورة بن موسى السلمي البوغي الترمذي أبو عيسى من أئمة علماء الحديث وحفاظه تتلمذ للبخاري وشاركه في بعض شيوخه ورحل إلى خراسان والعراق والحجاز وعمي في آخر عمره وكانة يضرب به المثل في الحفظ من أهم مصنفاته

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت