(فاعلم) أيّها المخدوم: انّ العفو إنّما يتصوّر ويطلب على تقدير اعتراف هؤلاء الجماعة بسوء تلك الأوضاع والنّدامة على فعلها، وإلّا فلا مساغ للعفو. وكتبتم أيضا أنّ حضرة شيخنا فوّض هذا المقام إلى الشّيخ الهداد بشهادة هؤلاء الجماعة، وهذا الكلام يستدعي بيانا. فإن كان التّفويض بمعنى أنّه يخدم الفقراء والواردين والصّادرين ويكون مستخبرا عمّا يحتاجون إليه من الأكل والشّرب، فذلك مسلّم لا نزاع فيه لأحد. وإن كان بمعنى أنّه يربّي جماعة من الطّالبين ويجلس في مقام المشيخة فممنوع. فإنّ حضرة شيخنا قال للفقير في آخر ملاقاتنا: ما تقول في الشّيخ الهداد لو علّم بعض الطّالبين المشغوليّة من جانبنا وبلّغ أحوال بعضهم إلينا فإنّه لا طاقة لي الآن بإحضارهم وتعليم المشغوليّة والسّؤال عن أحوالهم. فكان الفقير متوقّفا في هذا الباب أيضا، ولكن لمّا اقتضت الضّرورة ذلك جوّزت هذا القدر فيما هنالك، ولا شكّ في أنّ هذا القسم من التّبليغ من جنس السّفارة المحضة خصوصا إذا كانت مبنيّة على الضّرورة، والضّرورة تقدّر بقدرها، فتكون تلك السّفارة مخصوصة بزمن حياة شيخنا ويكون تعليم المشغوليّة للطّالبين وسؤال أحوالهم بعد ارتحاله داخلا في الخيانة. (وكتبتم) أيضا: أنّ نسبة حضرة شيخنا تكون باقية البتّة يعني لا تقبل الزّيادة والنّقصان بمرور الدّهور والأزمان. (اعلم) أيّها المخدوم أنّ تكميل الصّناعة إنّما يكون بتلاحق الأفكار. ألا ترى أنّ علم النّحو الّذي وضعه سيبويه (1) زادته أفكار المتأخّرين عشرة أمثالها.
فإنّ بقاء الشّيء على صرافته عين النّقص. فإنّ النّسبة الّتي كانت لخواجه النّقشبند ما كانت في زمن الخواجه عبد الخالق الغجدوانىّ قدّس سرّهما وعلى هذا القياس يعني «سائر الأحوال"وعلى الخصوص كان حضرة شيخنا في صدد تكميل هذه النّسبة وكان غير قائل بتماميّتها فإن وفته حياته زادها بإرادة الله تعالى إلى ما شاء الله سبحانه. فالسّعي في عدم زيادتها ليس بمناسب وهذا الفقير ما يدري على أيّ وجه يكون بقاؤها فإنّ لك نسبة على حدة لا مساس لها بنسبة الآخرين، وكان هذا الكلام مشخّصا يعني معيّنا في حضوره مكرّرا، والشّيخ الهداد المسكين من أين يعرف أنّ النّسبة ما هي وإنّما له نحو من حضور القلب. ومعلوم للآخرين أنّ الحالة ما هي، ومن قيّم تلك النّسبة ومربّيها أخبروني عنه حتّى أكون ممدّا ومعاونا له. ولا ينبغي اعتبار الواقعة والإعتماد عليها فإنّها خياليّة غير صادقة. والشّيطان عدوّ قويّ والأمن من تسويلاته متعسّر إلّا لمن عصمه الله تعالى. (وكتبتم) أيضا في حقّ سلب النّسبة المكتسبة فاعلم أيّها"
(1) أبو بشر (أو أبو الحسن) عمرو بن عثمان بن قنبر: (على وزن منبر) ، لقب بسيبويه (رائحة التفاح) لاحمرار في وجنتيه وقيل لأن أمه كانت ترقصه بذلك، ولد في البيضاء قرب شيراز ونشأ بالبصرة، رغب أولا في تعلم الحديث والفقه إلى أن لحقه التأنيب من شيخه حماد بن سلمة للحنه في حديث فلزم الخليل وغيره، تلمذ للخليل ويونس بن حبيب وعيسى بن عمر وغيرهم، كان سيبويه إمام النحاة وأشهر علماء العربية قاطبة، أول من بسط علم النحو وألف"الكتاب"أقدم مصنف جمع مسائل النحو العربي كافة، لم يزد المتأخرون على كتابه شيئا ذا بال، وزعم السيوطي أنه سمى كتابه «قرآن النحو» ، توفي سنة 180 هـ على الراجح. انظر: مراتب النحويين لأبي الطيب اللغوي: 65، طبقات الزبيدي: 66، أخبار النحويين البصريين: 4850، إنباه الرواة: 2/ 346، شذرات الذهب: 1/ 252، النجوم الزاهرة: 2/ 99، المزهر: 2/ 405، برو كلمان: 2/ 134، معجم المؤلفين: 2/ 584، الأعلام: 5/ 81، سيبويه إمام النحاة لعلي النجدي ناصف: 64 وما بعدها، نشأة النحو: 47، المدارس النحوية: 5793.