رسما يكاد الباطل يفرّ من ظلّهم وهنا كلّه حقّ ولأجل الحقّ ما ذا ينال العلماء الذين نظرهم مقصور على الظّاهر من حقيقتهم؟! وماذا يفهمون غير المخالفة الصّوريّة؟! وماذا يأخذون من كمالاتهم؟! والكلام في أنّ فيما وراء هذه الأحوال والمعارف كمالات أخر حكم هذه الأحوال والمعارف بالنّسبة إلى تلك الكمالات كحكم القطرة بالنّسبة إلى البحر المحيط. (شعر)
متى قسنا السّماء بالعرش ينحطّ ... وما أعلاه إن قسنا بأرض
(ولنرجع) إلى أصل الكلام ونقول وما قالوا في خرق الحجب من أنّه ترتفع في السّير الآفاقيّ الحجب الظّلمانيّة والنّورانيّة بتمامها كما مرّ فهذا الكلام عند هذا الفقير محلّ خدشة بل ثبت خلافه وشوهد أنّ خرق الحجب الظّلمانيّة منوط بطيّ جميع مراتب الإمكان وهو إنّما يتيسّر بالسّير الآفاقيّ والسّير الانفسيّ وخرق الحجب النّورانيّة مربوط بسير الاسماء والصّفات الواجبيّة تعالت وتقدّست حتّى لا يبقى في نظره اسم ولا صفة ولا شأن ولا اعتبار فحينئذ يتيسّر له خرق الحجب النّورانيّة بتمامها ويتشرّف بالوصل (1) العريان وإن كان هذا الوصل أقلّ حصولا وهذا الوصل أعزّ وجودا ففي السّير الآفاقيّ لا يعلم أنّه انخرق نصف الحجب الظّلمانيّة أم لا؟ فكيف يتصوّر هناك خرق الحجب النّورانيّة؟ غاية ما في الباب أنّ المراتب في الحجب الظّلمانيّة متفاوتة فيكون ذلك التّفاوت سببا للاشتباه فإنّ الحجب النّفسانيّة فوق الحجب القلبيّة في الظّلمة مثلا وإن ظهر قليل الظّلمة نفسه بعنوان النّورانيّة النّسبيّة وخيّل الظّلمانيّ نورانيّا ولكنّ الظّلمانيّ ظلمانيّ في الحقيقة والنّورانيّ نورانيّ لا يخلط حديد البصر أحدهما بالآخر ولا يحكم على الظّلمة بالنّور لوجدانه منشأ الإشتباه. ذلِكَ فَضْلُ الله يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ والله ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (2) والطّريق الذي شرّف هذا الفقير بتسليكه جامع للجذبة والسّلوك وكلّ واحد من التّخلية والتّحلية مجتمع مع الآخر وكلّ واحد من التّصفية والتّزكية مقترن في ذلك الموطن بالآخر والسّير الانفسيّ متضمّن في ذلك المقام للسّير الآفاقيّ ففي عين التّصفية تزكية وفي عين التّخلية تحلية ونفس الجذبة محصّلة للسّلوك والأنفس شاملة للآفاق ولكنّ التّقدّم الذّاتيّ للتّخلية والجذبة وللتّصفية سبقة ذاتيّة على التّزكية وملحوظ النّظر الانفس لا الآفاق فلا جرم كان هذا الطّريق أقرب في الوصول بل أقول: إنّ هذا الطّريق موصّل البتّة واحتمال عدم الوصول مفقود فيه ينبغي أن يسأل الحقّ سبحانه الإستقامة وأن يطلب منه تعالى الفرصة وإنّما قلت: إنّ هذا الطّريق موصّل البتّة فإنّ أوّل قدم هذا الطّريق الجذبة الّتي هي دهليز الوصول ومواقع التّوقّفات أمّا منازل السّلوك أو مواطن الجذبات الّتي لا تكون متضمّنة للسّلوك وكلا المانعين مرتفعان في هذا الطّريق؛ فإنّ السّلوك طفيليّ يحصل في ضمن الجذبة فههنا ليس سلوك خالص ولا جذبة أبتر حتّى
(1) الوصل: هو الوحدة الحقيقيية الواصلة بين البطون والظهور وقد يعبر به عن سبق الرحمة بالمحبة وقد يعبر به عن قيومية الحق للأشياء فإنها تصل الكثرة بعضها ببعض حتى تتحد. انظر: الكاشاني: معجم مصطلحات الصوفية: 76.
(2) الحديد: 21