الأحوال حصول اليقين على الكمال». وأيضا كيف يتصوّر الإشتباه والتّذبذب؟ فإنّه قد تيسّر الإطّلاع بعنايته تعالى الّتي لا غاية لها على تفصيل أحوال هؤلاء الاكابر المقرّرة وانكشفت معارف التّوحيد والاتّحاد وأسرار الإحاطة والسّريان وحصلت حقيقة مكشوفهم ومشهودهم واتّضحت دقائق علومهم ومعارفهم واخترت الإقامة مدّة مديدة في هذا المقام وأدركت قليلهم وكثيرهم الّا ما شاء الله تعالى فظهر آخر الامر - بفضل الله جلّ سلطانه - أنّ هذه كلّها شعبذات الظّلال وشغف بالشّبه والمثال والمطلوب فيما وراء وراء ذلك والمقصود ما سوى هذه فلا جرم صرت متوجّها إلى جناب قدس اللّامثليّ معرضا عن الكلّ وتبرّأت عن كلّ ما هو متّسم بسمة الكمّ والكيف. إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ والْأَرْضَ حَنِيفًا وما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (1) فلو لم تكن المعاملة هكذا لما حرّكت شفتيّ على خلاف المشائخ ولما أظهرت مخالفتهم بالظّنّ والتّخمين وأيضا إنّ هذا الخلاف لو لم يتعلّق بذات الواجب وصفاته جلّ سلطانه ولم يكن الكلام من تقديسه وتنزيهه تعالى لما وقع إظهار خلاف مكشوف هؤلاء الاكابر البتّة ولم يحصل الكلام من مخالفة علومهم فإنّي أقلّ مقتطفي عناقيد رياض دولهم وأرذل ملتقطي كسرات خوان نعمهم وأظهر مكرّرا أنّهم هم الذين ربّوني بأنواع التّربية ونفعوني بأضعاف الكرم والإحسان والتّرقية ولكن ماذا نفعل فإنّ حقوق الحقّ سبحانه فوق حقوقهم فإذا وقع البحث في ذاته وصفاته تعالى وعلم أنّ إطلاق بعض الامور على جناب قدسه ليس بلائق فالسّكوت في هذا الموطن خوفا من خلاف الآخرين بعيد عن الدين والديانة لا يطيقه مقام العبوديّة والإطاعة خلاف العلماء من المشائخ رحمهم الله تعالى في الامور الخلافيّة كمسألة التّوحيد وغيرها من طريق النّظر والإستدلال وخلاف هذا الفقير معهم في هذه الامور من طريق الكشف والشّهود والعلماء قائلون بقبح هذه الامور وهذا الفقير قائل بحسن هذه الامور بشرط العبور وخلاف الشّيخ علاء الدولة في مسألة وحدة الوجود يفهم على طور العلماء وينظر إلى قبحها وإن دخل فيها بطريق الكشف فإنّ صاحب الكشف لا يقول بقبحها فإنّ هذه المسألة متضمّنة لأحوال غريبة ومشتملة على معارف عجيبة غاية ما في الباب أنّ دوام الإقامة في هذا الموطن غير مستحسن والإكتفاء بهذه الأحوال ليس بحسن. (فإن قيل) فعلى هذا التّقدير يكون المشائخ على الباطل ويكون الحقّ وراء مكشوفهم ومشهودهم. (أجيب) أنّ الباطل هو الذي لا يكون له محمل من الصّدق وفيما نحن فيه: منشأ هذه الأحوال والمعارف غلبة محبّة الحقّ سبحانه واستيلاء حبّه تعالى على نهج لا يترك في نظر بصيرتهم اسما ولا رسما ممّا سواه تعالى ويجعل اسم الغير والغيريّة ورسمها ممحوّا ومتلاشيا ففي هذا الوقت يعلمون الاغيار والسّوى بواسطة السّكر وغلبة الحال معدومة بالضّرورة ولا يرون موجودا غير الحقّ تعالى فما الباطل هنا وأين البطلان؟! بل في هذا الموطن استيلاء الحقّ وبطلان الباطل وهؤلاء الاكابر باعوا أنفسهم وغيرهم في محبّة الحقّ جلا وعلا ولم يتركوا من أنفسهم وغيرهم اسما ولا
(1) النحل: 123