فهرس الكتاب

الصفحة 69 من 1087

عليهم كما قال النّبيّ عليه الصّلاة والسّلام «إنّ (1) أشدّ النّاس عذابا يوم القيامة عالم لم ينفعه الله بعلمه» (2) فكيف لا يكون مضرّا فإنّ العلم الّذي هو أعزّ الأشياء عند الله تعالى وأشرف الموجودات جعلوه وسيلة لجمع حطام الدّنيا الدّنيّة من المال والجاه والأحباب، والحال أنّ الدّنيا ذليلة عند الله تعالى وحقيرة وأبغض المخلوقات عند الله وإذلال ما هو عزيز عند الله وإعزاز ما هو ذليل عنده في غاية القباحة، بل هو معارضة مع الحقّ سبحانه في الحقيقة. والتّدريس والإفتاء إنّما يكونان نافعين إذا كانا خالصين لوجه الله تعالى وخاليين من شائبة حبّ الجاه والرّياسة وطمع حصول المال والرّفعة. وعلامة خلوّهما عن تلك المذكورات الزّهد في الدّنيا وعدم الرّغبة فيها. فالعلماء الّذين هم مبتلون بهذا البلاء ومأسورون في أسر محبّة الدّنيا فهم من علماء الدّنيا وهم علماء السّوء وشرار النّاس ولصوص الدّين، والحال أنّهم يعتقدون أنفسهم مقتدى بهم في الدّين وأفضل الخلائق أجمعين ويحسبون أنّهم على شيء إلّا أنّهم هم الكاذبون اِسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ فَأَنْساهُمْ ذِكْرَ الله أُولئِكَ حِزْبُ الشَّيْطانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ هُمُ الْخاسِرُونَ (3) رأى واحد من الاكابر الشّيطان قاعدا فارغ البال عن الإغواء والإضلال. فسأله عن سرّ قعوده بفراغ البال. فقال اللّعين: إنّ علماء السّوء في هذا الوقت قد أمدّوني في أمري مددا عظيما وتكفّلوا لي بالإضلال حتّى جعلوني فارغ البال والحقّ أنّ كلّ ضعف ووهن وقع في أمور الشّريعة في هذا الزّمان وكلّ فتور ظهر في ترويج الملّة وتقوية الدّين إنّما هو من شؤم علماء السّوء وفساد نيّاتهم. نعم إن كان العلماء راغبين عن الدّنيا ومحرّرين من أسر حبّ الجاه والرّياسة وطمع المال والرّفعة فهم من علماء الآخرة وورثة الأنبياء عليهم الصّلوات والتّسليمات وهم أفضل الخلائق وهم الّذين يوزن (4) مدادهم يوم القيامة بدم الشّهداء في

(1) هذا الحديث اخرجه ابن عساكر عن ابى هريرة رضى الله عنه ورواه الطبرانى أيضا في الصغير والبيهقي في الشعب عنه وابن عدى والحاكم في مستدركه أيضا بالفاظ مختلفة (محمد مراد القزاني رحمة الله عليه)

(2) شرح الحديث: ترتي على عصيان العالم هذا الوعيد الشديد"لأن عصيانه عن علم؛ ولذا كان المنافقون في الدرك الأسفل لكونهم جحدوا بعد العلم، وكان اليهود شرا من النصارى لكونهم أنكروا بعد المعرفة. قال عبد الحق: «ومفهوم الحديث أن أعظمهم ثوابا عالم ينفعه علمه. قال الغزالي: فالعلم لا يهمل العالم، بل يهلكه هلاك الأبد، أو يحييه حياة الأبد، فمن لم ينفعه علمه لا ينجو منه رأسا برأس. هيهات فخطره عظيم وطالبه طالب النعيم المؤبد أو العذاب السرمد، لا ينفك عن الملك أو الهلك، فهو كطالب الملك في الدنيا فإن لم تتفق له الإصابة لم يطمع في السلامة أهـ. وزعم بعض الصوفية أنه إنما كان أشد الناس عذابا لأن عذابه مضاعف فوق عذاب مفارقة الجسد بقطعه عن اللذات الحسية المألوفة وعدم وصوله إلى ما هو أكمل منها لعدم انفتاح عين بصيرته مع عذاب الحجيم عن مشاهدة الحق تعالى، فعذاب الحجاب إنما يحصل للعلماء الذين تنبهوا للذة لقاء الله في الجملة ولم يتوجهوا إلى تحصيل ذلك واتبعوا الشهوات الحسية المانعة لذلك، وأما غيرهم فلا يعذب هذا العذاب الحجابي الذي هو أعظم من عذاب الجحيم لعدم تصورهم له بالكلية وعدم ذوقهم له رأسا."

(3) الآية: 20 من سورة المجادلة.

(4) رواه ابو نعيم ذى الحلية والعسكرى في الامثال مرفوعا بلفظ جبلت القلوب على حب من احسن اليها وبغض من اساء اليها قال السيوطي رواه البيهقي عن ابن مسعود مرفوعا وموقوفا وهو المحفوظ قال ابن عدى وهو المعروف اهـ. (القزاني رحمة الله عليه)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت