فهرس الكتاب

الصفحة 70 من 1087

سبيل الله فيترجّح مدادهم» (1) . «ونوم العالم عبادة» (2) متحقّق في حقّهم وهم الّذين استحسن في نظرهم جمال الآخرة ونضارتها وظهرت قباحة الدّنيا وشناعتها، فنظروا إلى الآخرة بنظر البقاء ورأوا الدّنيا متّسمة بسمة الزّوال والفناء; فلا جرم هربوا من الفاني وأقبلوا على الباقي. وشهود عظمة الآخرة إنّما هو ثمرة شهود الجلال اليزاليّ، وإذلال الدّنيا وتحقير ما فيها من لوازم شهود عظمة الآخرة; لأنّ (3) الدّنيا والآخرة ضرّتان إن رضيت إحداهما سخطت الأخرى. فإن كانت الدّنيا عزيزة فالآخرة حقيرة وإن كانت الدّنيا حقيرة فالآخرة عزيزة، وجمع هذين الأمرين من قبيل جمع الأضداد (ع) ما أحسن الدّين والدّنيا لو اجتمعا * نعم قد اختار جمع من المشائخ الّذين تخلّصوا عن أسر نفوسهم ومقتضيات طبائعهم بالكلّيّة صورة أهل الدّنيا بواسطة نيّات حقّانيّة تراهم في الظّاهر راغبين فيها ولكن لا علاقة لهم بها في الحقيقة أصلا، بل هم فارغون عن الكلّ ومتخلّصون عن الجميع رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ ولا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ الله (4) فلا يمنعهم البيع والشّراء عن ذكر الله، فهم في عين التّعلّق بهذه الأمور غير متعلّقين بشيء. قال

(1) قوله: «يوزن ..."الخ إشارة إلى حديث ذكره الغزالى في الإحياء مرفوعا ولفظه: «يوزن يوم القيامة مداد العلماء بدم الشهداء» أخرجه ابن عبد البر من حديث أبي الدرداء. (محمد مراد القزاني رحمة الله عليه) قاله العراقى قال شارحه: «وأخرجه الشيرازى في الألقاب من طريق أنس بزيادة فيرجح مداد العلماء على دم الشهداء أخرجه المرهبى في فضل العلم عن عمران ابن الحصين، وابن الجوزى في العلل عن النعمان ابن بشير، والديلمى عن ابن عمر اهـ بقدر المقصود والكلام عليه مستوفى في الشرح المذكور. قلت: ورواه المنجنيقي في «رواية الأكابر عن الأصاغر"عن الحسن البصري مقطوعا، وروى الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد عن ابن عمر مرفوعا: «وزن حبر العلماء بدم الشّهداء فرجح عليهم"وفي سنده محمد بن جعفر متهم بالوضع، ومن ثمّ قال الخطيب موضوع، ورواه الديلمي عن نافع بلفظ: «يوزن حبر العلماء ودم الشّهداء فيرجح ثواب حبر العلماء على ثواب دم الشّهداء، ومن أحسن ما قيل في ذلك: يا طالبي علم النّبيّ محمّد * ما أنتم وسواكم بسواء فمداد ما تجري به أقلامكم * أزكى وأرجح من دم الشّهداء"

(2) لا أصل له: قوله نوم العالم عبادة كأنه تلميح إلى حديث مرفوع ذكره الغزالى في الإحياء وبعده: «ونفسه تسبيح"قال العراقى المعروف فيه الصائم بدل العالم ذكره المخرج، قلت ولا يضر ذلك فإنه قد ثبت فضل العالم على الصائم القائم بل على مطلق العابد بمراتب كثيرة في أحاديث عديدة. (محمد مراد القزاني رحمة الله عليه) "

(3) قوله لأن الدنيا والآخرة الخ إشارة إلى ما ورد في الحديث من أحب دنياه أضر بآخرته ومن أحب آخرته أضر بدنياه فآثروا ما يفنى على ما يبقى ذكره في الإحياء عن أبي موسى الأشعرى مرفوعا قال العراقى رواه أحمد والبزار والطبرانى وابن حبان والحاكم وصححه على شرط الشيخين قلت وهو منقطع بين المطلب بن عبد الله وبين أبي موسى اهـ قال شارحه قلت سبقه إلى ذلك الذهبى وقد رواه كذلك القضاعى في مسند الشهاب والبيهقي في الشعب وقال المنذرى رجال أحمد ثقاة وعند بعضهم إلا فآثروا بزيادة إلا للتبنيه اهـ وقلت وذكر في الإحياء في موضع آخر من قول على كرم الله وجهه بلفظ الدنيا والآخرة ضرتان فيقدر ما ترضي أحديهما تسخط الآخرى وروى ابن عساكر عن ابن مسعود رضه قال من أراد الآخرة أضر بالدنيا ومن أراد الدنيا أضر بالآخرة فأضروا بالفانى للباقى انتهى وهذا الحديث كثير الدوران في هذا الكتاب بألفاظ مختلفة فليتنبه المطالع (القزاني رحمة الله عليه)

(4) الآية: 37 من سورة النور.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت