فهرس الكتاب

الصفحة 693 من 1087

(واعلم) أنّ المحلوظ أوّلا في مرآة الصّورة هو الصّور والإلتفات الثاني إنّما هو لشهود المرآة والملحوظ أوّلا في مرآة الواجب هو المرآة نفسها والإلتفات الثاني إنّما هو لشهود الاشياء وأيضا في مرآة الصّورة الصّور أيضا مرايا أحكام المرآة وآثارها فإن كانت المرآة طولانيّة تظهر الصّور أيضا طولانيّة فتصير الاشياء مرايا لطول المرآة وكذلك إذا كانت المرآة صغيرة يظهر صغرها في مرايا الصّور بخلاف مرآة ذات الواجب تعالى فإنّ الاشياء لا تكون مرايا لاحكامها وآثارها فإنّه لا حكم على تلك المرتبة العليا ولا أثر بل جميع النّسب مسلوب عنها فيها فإن كانت الاشياء مرايا ماذا يظهر فيها نعم يجوز أن يكون الاشياء مرايا صور أحكام الواجب في مراتب التّنزّل الذي موطن الاسماء والصّفات فإنّ السّمع والبصر والعلم والقدرة مثلا الّتي هي ظاهرة في مرايا الاشياء صور السّمع والبصر والعلم والقدرة الثابتة في مرتبة الوجوب الّتي هي مرآة تلك الاشياء الظّاهرة وما قلت انّ الملحوظ أوّلا في مرآة الواجب تعالى هو نفس المرآة والإلتفات الثاني إنّما هو لشهود الاشياء الّتي هي كالصّور في تلك المرآة فهو حال ابتداء الرّجوع إلى تظهر الصّور فيه للنّظر بعد أن كانت مرتفعة ومختفية عن النّظر بالتّمام فإذا انتهت معاملة الرّجوع إلى آخرها ووقع السّير في الاشياء طولها وعرضها وتيسّر الإستقرار في مركز دائرة الإمكان يتبدّل الشّهود ح بالغيب بالضّرورة ويصير الإيمان الشّهوديّ إيمانا غيبيّا وإذا تمّت معاملة الدعوة وقرعت مقرعة الرّحيل ففي ذلك الوقت لا يبقى الغيب ولا يكون فيه غير الشّهود ولكنّ هذا الشّهود يكون أتمّ وأكمل من ذاك الشّهود الذي كان حاصلا قبيل الرّجوع فإنّ الشّهود الذي يتعلّق بالآخرة أكمل من الشّهود الذي يتعلّق بالدّنيا

(شعر) هنيئا لارباب النّعيم نعيمها ... وللعاشق المسكين ما يتجرّع

ينبغي أن يعلم أنّه قد لاح من التّحقيق السّابق أنّ صورة الشّيء الّتي تظهر في المرآة لا ثبوت لها في غير التّخيّل والمرآة على صرافة تجرّدها من حصول تلك الصّورة فيها ويمكن أن يقال لتلك الصّورة أنّ المرآة قريبة منها وأيضا يمكن أن يقال: إنّ المرآة محيطة بها وانّها معها وهذا القرب والأحاطة والمعيّة ليست من قبيل قرب الجسم والجوهر وإحاطتهما بالعرض بل هناك قرب وإحاطة العقل عاجز عن تصوّرهما وقاصر عن إدراك كيفيّتهما ففي هذه الصّورة ثبتت الإحاطة والقرب والمعيّة ولم تعلم كيفيّتها أصلا ولله المثل الأعلى وهكذا القرب الذي للحقّ مع العالم وكذلك إحاطته ومعيّته تعالى معلومة الإنّيّة (1) مجهولة الكيفيّة نؤمن أنّه تعالى قريب من العالم ومحيط به ومعه ولكن لا نعلم كيفيّة قربه وإحاطته ومعيّته تعالى إنّها ما هي فإنّ هذه الصّفات مغايرة لصفات الاشياء ومبرّأة عن سمات الإمكان والحدوث وإن أورد تنظيرها وتشبيهها في عالم المجاز الذي هو قنطرة الحقيقة وأومئى إليها بالمرآة والصّورة ليجتهد

(1) الأنية: هي تحقق الوجود العيني من حيث رتبته الذاتية. انظر: الكاشاني: معجم اصطلاحات الصوفية: 58.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت