ولكن بعد حصول الإطمئنان لا مجال للمخالفة والطّغيان ولقد طالع الفقير في هذا الباب بإمعان النّظر وتأمّل في حلّ هذا المعمّى لكونه مخالفا لما تقرّر عند القوم وتعمّق في الفكر ولكن بعناية الله سبحانه لم يجد في النّفس المطمئنّة مقدار شعرة من المخالفة والمعاندة ولم ير فيها شيئا غير الإستهلاك والإضمحلال فإذا جعلت النّفس نفسها فداء لمولاها كيف يكون فيها مجال المخالفة وحيث كانت النّفس راضية عن حضرة الحقّ تعالى وكان الحقّ تعالى راضيا عنها كيف يتصوّر عنها الطّغيان الذي هو مناف للرّضى ومرضىّ الحقّ جلّ سلطانه لا يصير غير مرضىّ أصلا ويمكن أن يكون المراد من الجهاد الاكبر والله سبحانه أعلم بحقيقة الحال الجهاد مع القالب الذي هو مركّب من الطّبائع المختلفة الّتي كلّ طبيعة منها مقتضية لامر ومتنفّرة عن أمر فإنّ كلّا من القوّة الشّهويّة والغضبيّة ناشئة عن القالب الا ترى أنّ سائر الحيوانات الّتي ليست لها النّفس النّاطقة هذه الصّفات الرّذيلة كائنة فيها وكلّها متّصفة بالشّهوة والغضب والشّره والحرص وهذا الجهاد كائن دائما لا يسكّنه اطمئنان النّفس ولا يرفعه تمكين القلب وفي بقاء هذا الجهاد فوائد كثيرة متضمّنة لتنقية القالب وتطهيره حتّى تكون كمالات هذه النّشأة ومعاملة الآخرة مربوطة به بالأصالة فإنّ في كمالات هذه النّشأة القالب تابع والقلب متبوع وفي كمالات تلك النّشأة الامر بالعكس القلب تابع والقالب متبوع فإذا وقع الخلل في هذه النّشأة وظهرت مقدّمة تلك النّشأة ينقضى هذا الجهاد ويرتفع هذا القتال فإذا بلغت النّفس بفضل الله سبحانه مقام الإطمئنان وصارت منقادة للحكم الإلهيّ جلّ شأنه فقد تيسّر الإسلام الحقيقيّ وحصلت حقيقة الإيمان وكلّ ما يعمل بعد ذلك يكون حقيقة فإذا أدّيت الصّلاة تكون حقيقة وإن كان صوما فحقيقة الصّوم وإن حجّا فحقيقة الحجّ على هذا القياس إتيان سائر الاحكام الشّرعيّة فصار كلّ من الطّريقة والحقيقة متوسّطة بين صورة الشّريعة وحقيقتها فمن لم يشرّف بالولاية الخاصّة لا يصل من الإسلام المجازىّ إلى الإسلام الحقيقيّ فإذا كان بفضل الله سبحانه محلّى بحقيقة الشّريعة وتيسّر الإسلام الحقيقيّ صار مستعدّا لان ينال حظّا وافرا ونصيبا تامّا من كمالات النّبوّة بتبعيّة الانبياء ووراثتهم عليهم الصّلاة والسّلام وكما أنّ صورة الشّريعة كشجرة طيّبة لكمالات الولاية وهي كثمراتها كذلك حقيقة الشّريعة أيضا كشجرة مباركة لكمالات النّبوّة الّتي هي كثمراتها وحيث كانت كمالات الولاية ثمرات الصّورة وكمالات النّبوّة ثمرات حقيقة تلك الصّورة تكون كمالات الولاية بالضّرورة صورا لكمالات النّبوّة الّتي هي حقائق تلك الصّور (ينبغي أن يعلم) أنّ الفرق بين صورة الشّريعة وحقيقتها كان ناشئا من جهة النّفس حيث كان للنّفس الامّارة طغيان في الصّورة وكانت على إنكارها وصارت مطمئنّة في الحقيقة ومسلمة وكذلك الفرق بين كمالات الولاية الّتي هي كالصّور وبين كمالات النّبوّة الّتي كالحقائق ناش من جهة القالب فإنّ أجزاء القالب ما كانت منتهية وراجعة عن طغيانها وعنادها في مقام الولاية مثلا لم يرجع جزءه النّاريّ مع وجود اطمئنان النّفس عن دعوى الخيريّة وتكبّرها وكذلك لم يتندّم جزؤه الارضيّ عن الخسّة والدنائة وعلى هذا القياس سائر