المعرفة في الذّات تعالى شأنها ليست إلّا معرفتها بعنوان لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ (1) ولا يظنّ الأبله من ذلك أنّ الخاصّ والعامّ والمبتدئ والمنتهي متساووا الأقدام في هذه المعرفة لعدم تمييزه بين العلم والمعرفة، فإنّ العلم للمبتدئ والمعرفة للمنتهي وهي لا تحصل بدون الفناء ولا تتيسّر هذه الدّولة لغير الفاني. قال المولوىّ في المثنوىّ.
شعر:
ومن لم يكن في حبّ مولاه فانيا ... فليس له في كبرياه سبيل
فتكون المعرفة إذا وراء العلم.
وممّا ينبغي أن يعلم: أنّ وراء العلم والإدراك المتعارف أمرا يعبّر عنه بالمعرفة ويقال له الإدراك البسيط أيضا، (شعر) :
خليلي ما هذا بهزل وإنّما ... حديث عجيب من بديع الغرائب
غيره من المثنوىّ (شعر) :
إنّ للرّحمن مع أرواح ناس ... اتّصالا دون كيف وقياس
قلت ناسا دون نسناس الفلا ... ليس ناس غير روح في الملا
ولمّا كانت الأقدام متفاوتة في الفناء لا جرم وجد التّفاوت في المعرفة بين المنتهين، فمن كان فناؤه أتمّ تكون معرفته أكمل، ومن كان دونه في الفناء يكون دونه في المعرفة. وعلى هذا القياس سبحان الله انجرّ الكلام من أين إلى أين بل كان اللّائق بحالي أن أكتب من عدم حاصلي وعدم حصول مرادي وعدم ثباتي واستقامتي وطلب المعونة والمدد من الأحباب وأيّ مناسبة لي بأمثال هذه الكلمات. شعر:
من لم يكن خبر له عن نفسه ... هل يقدر الاخبار من هذا وذا
ولكنّ الهمّة العالية والطّينة السّامية لا تتركني أن أقنع ببضاعة دنيّة ودعابة رديّة، فلا جرم أترقّى عن مرتبتي فإذا قلت فمنه أقول وإن كان لا شيئا، وإذا طلبت فإيّاه أطلب وإن لم أجد شيئا، وإن كان لي حاصل فهو حاصلي وإن لم يكن شيئا وإن كنت واصلا فإليه وصولي وإن لم يكن لي حصول. وما وقع في عبارات بعض الأكابر قدّس الله أسرارهم العليّة من الشّهود الذّاتيّ لا يظهر معناه لغير أرباب الكمال وفهمه محال للنّاقصين والقاصرين. شعر
ليس يدرى الأغبيا حال الكرام ... فاقصر الاقوال واسكت والسّلام
(1) الآية: 11 من سورة الشورى.