إنّما هو باعتبار درجات القرب وكثيرا ما يكون صاحب عدم كشف الصّور الغيبيّة أفضل من صاحب كشف تلك الصّور وأسبق منه قدما بواسطة مزيّة القرب الحاصل له. صرّح بهذا المعنى صاحب العوارف الذي هو شيخ الشّيوخ ومقبول جميع الطّوائف في كتابه العوارف فمن لم يصدّق هذا الكلام منّي فليراجع ذلك الكتاب فإنّه ذكر فيه بعد ذكر الكرامات والخوارق: وكلّ هذه مواهب الله تعالى وقد يكاشف بها قوم ويعطى وقد يكون فوق هؤلاء من لا يكون له شيء من هذا لانّ هذه كلّها تقوية اليقين ومن منح صرف اليقين لا حاجة له إلى شيء من هذا فكلّ هذه الكرامات دون ما ذكرناه من تجوهر الذّكر في القلب ووجود ذكر الذّات انتهى. قال إمام هذه الطّائفة الخواجه عبد الله الأنصاريّ الملقّب بشيخ الإسلام في كتابه منازل السّائرين: إنّ الفراسة على نوعين فراسة أهل المعرفة وفراسة أهل الجوع والرّياضة ففراسة أهل المعرفة في تمييزهم من يصلح لحضرة الله جلّ وعلا ممّن لا يصلح. ومعرفتهم أهل الإستعداد الذين اشتغلوا بذكر الله سبحانه ووصلوا إلى حضرة الجمع وفراسة أهل الرّياضة وأرباب الجوع مخصوصة بكشف الصّور والإخبار عن المغيّبات المختصّة بالمخلوقات ولمّا كان العالم أكثرهم أهل انقطاع عن الله سبحانه واشتغالا بالدّنيا مالت قلوبهم إلى أهل كشف الصّور والإخبار عمّا غاب من أحوال المخلوقات فعظّموهم واعتقدوا أنّهم من أهل الله وخاصّته وأعرضوا عن كشف أهل الحقيقة واتّهموهم فيما يخبرون عن الله سبحانه وقالوا: لو كان هؤلاء أهل الله كما يزعمون لاخبرونا عن أحوالنا الغيبيّة وأحوال سائر المخلوقات وإذا كانوا لا يقدرون على كشف أحوال المخلوقات فكيف يقدرون على كشف أمور اعلى من هذه وكذّبوهم في فراستهم المتعلّقة بذات الواجب وصفاته جلّ وعلا بهذا القياس الفاسد وعميت عليهم الانباء الصّحيحة ولم يعلموا أنّ الله قد حمى هؤلاء عن ملاحظة الخلق وخصّهم بجناب قدسه وشغلهم عمّا سواه حماية لهم وغيرة عليهم ولو كانوا ممّن يتعرّضون لأحوال الخلق ما صلحوا للحقّ سبحانه انتهى كلامه. وقال كلمات أخر أيضا أمثال ذلك وأنا سمعت حضرة شيخي - قدّس سرّه - يقول كتب الشّيخ محيي الدين بن العربيّ أنّ بعض الأولياء الكرام الذي ظهرت منه كرامات وخوارق كثيرة ندم في آخر النّفس من ظهور تلك الكرامات وقال تمنّيا: يا ليت هذه الكرامات لم تظهر منّي فلو كان التّفاضل باعتبار كثرة ظهور الخوارق لا يكون للنّدامة على ذلك الطّور معنى. (فإن قيل) إذا لم يكن ظهور الخوارق شرطا في الولاية كيف يتميّز الوليّ من غير الوليّ وكيف يتبيّن المحقّ من المبطل؟ (أجيب) لا يلزم التّمييز بل يكون المحقّ ممتزجا بالمبطل فإنّ اختلاط الحقّ بالباطل لازم لهذه النّشأة الدنيويّة والعلم بولاية وليّ ليس بلازم أصلا. وكثير من أولياء الله تعالى لا اطّلاع لهم على ولايتهم فكيف يكون الإطّلاع على ولايتهم لازما لغيرهم وفي النّبيّ لا بدّ من الخوارق ليتميّز النّبيّ من غير النّبيّ فإنّ العلم بنبوّة نبيّ واجب والوليّ لمّا كان داعيا إلى شريعة نبيّه كفاه معجزة نبيّه فلو كان الوليّ يدعو إلى ما وراء الشّريعة لما كان له بدّ من خارق. وحيث كانت دعوته مخصوصة بشريعة نبيّ لا يلزم الخارق أصلا.