(اعلم) أرشدك الله وهداك سواء الصّراط أنّ هذه الشّبهة وأمثالها الّتي يوردها جماعة على حضرات الخلفاء الثلاثة وعلى سائر الصّحابة الكرام رضي الله عنهم ويريدون بهذه التّشكيكات ردّهم لو أنصف هؤلاء الجماعة وقبلوا شرف صحبة خير البشر عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام وعلموا أنّ نفوسهم كانت مزكّاة في صحبة خير البشر من الهوى والهوس وصارت صدورهم صافية عن الحقد والعداوة وعلموا أنّهم أكابر الدين وكبراء الإسلام وأنّهم بذلوا جهدهم في إعلاء كلمة الإسلام ونصرة سيّد الأنام وأنفقوا أموالهم في تأييد الدين المتين ليلا ونهارا سرّا وجهارا وتركوا في محبّة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عشائرهم وقبائلهم وأولادهم وأزواجهم وأوطانهم ومساكنهم وعيونهم وزروعهم وأشجارهم وأنهارهم وآثروا نفس رسول الله صلّى الله عليه وسلّم على نفوسهم واختاروا محبّة رسول الله على محبّة أنفسهم ومحبّة أولادهم وأموالهم وأنّهم الذين شاهدوا الوحي والملك ورأوا المعجزات والخوارق حتّى صار غيبهم شهادة وعلمهم عينا وهم الذين أثنى الله تعالى عليهم في القرآن المجيد (رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك مثلهم في التّوراة ومثلهم في الإنجيل) فإذا كان جميع الاصحاب الكرام شركاء في هذه الكرامات فماذا أظهر من جلالة شأن أكابر الاصحاب الذين هم الخلفاء الرّاشدون. والفاروق هو الذي قال الله سبحانه وتعالى في شأنه لرسوله (يا أيّها النّبيّ حسبك الله ومن اتّبعك من المؤمنين) قال ابن عبّاس رضي الله عنهما: إنّ سبب نزول هذه الآية إسلام عمر رضي الله عنه فبعد حصول نظر الإنصاف وقبول شرف صحبة خير البشر عليه وعلى آله الصّلاة والتّحيّات وبعد علم جلالة شأن أصحابه الكرام وعلوّ درجاتهم عليهم الرّضوان يكاد يتصوّر المعترضون والمشكّكون هذه الشّبهات مثل المغالطات والسّفسطة المزخرفة ويسقطونها عن درجة الإعتبار وإن لم يشخّصوا مادّة الغلط في تلك الشّبهات ولم يعيّنوا محلّ السّفسطة فلا أقلّ من أن يعرفوا مجملا أنّ مؤدّى هذه التّشكيكات وحاصل هذه الشّبهات ممّا لا حاصل له بل هى مصادمة للبداهة وللضّرورة الإسلاميّة ومردودة بالكتاب والسّنّة النّبويّة ومع ذلك نكتب في جواب هذا السّؤال وتعيين موادّ تلك الشّبهة مقدّمات بعون الله تعالى (اسمع) انّ حلّ هذا الإشكال على وجه الكمال مبتن على مقدّمات وإن كان كلّ مقدّمة جوابا على حدة (المقدّمة الأولى) جميع منطوقاته ومقولاته صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم لم تكن بموجب الوحي. وآية (وما ينطق عن الهوى) مخصوصة بالنّطق القرآني كما قاله أهل التّفسير وأيضا لو كان جميع منطوقاته صلّى الله عليه وسلّم بموجب الوحي لما ورد الإعتراض من عند الحقّ جلّ شأنه على بعض مقولاته عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام ولمّا كان للعفو عنه معنى قال الله تعالى خطابا لنبيّه صلّى الله عليه وسلّم"عفا الله عنك لم أذنت لهم» (والمقدّمة الثانية) أنّ الاصحاب الكرام كان لهم مجال القيل والقال في الاحكام الإجتهاديّة والأمور العقليّة مع النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم بموجب قوله تعالى (فاعتبروا يا أولي الابصار) وقوله تعالى (وشاورهم في الامر) وكان لهم في هذه الامور مساغ للرّدّ والتّبديل فإنّ الامر بالاعتبار"