الْحُسْنى) الآية فاذا كان جميع الصّحابة الذين انفقوا وقاتلوا قبل الفتح وبعده مبشّرين بالجنّة فما نقول في أكابر الصّحابة الذين هم الاسبقون في الإنفاق والمقاتلة والمهاجرة وماذا نقدر أن نقول وكيف ندرك أعظميّة درجاتهم أنّها ما هي؟ قال أهل التّفسير: قوله تعالى (لا يستوي منكم) الآية. نزل في حقّ الصّدّيق رضي الله عنه الذي هو أسبق السّابقين في الإنفاق والمقاتلة وقال سبحانه وتعالى (لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشّجرة) الآية. نقل الإمام البغويّ محيي السّنّة في معالم التّنزيل عن جابر رضي الله عنه أنّه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «لا يدخل النّار أحد ممّن بايع تحت الشّجرة» (1) . وهذه البيعة يقال لها بيعة الرّضوان؛ لانّ الحقّ سبحانه رضي فيها عن هؤلاء القوم ولا شكّ أنّ تكفير شخص مبشّر بالكتاب والسّنّة كفر ومن أقبح القبائح (المقدّمة الخامسة) أنّ توقّف الفاروق في إتيان القرطاس لم يكن على وجه الرّدّ والإنكار عياذا بالله سبحانه من ذلك كيف يصدر هذا القسم من سوء الادب من وزراء النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم الذي هو متّصف بالخلق العظيم وندمائه صلّى الله عليه وسلّم بل لا يتوقّع هذا المعنى من أدنى الصّحابة الذي تشرّف بشرف صحبة خير البشر مرّة أو مرّتين بل لا يتوهّم مثل هذا الرّدّ والإنكار من عوامّ أمّته صلّى الله عليه وسلّم الذي استسعد بدولة الإسلام فكيف يتخيّل هذا المعنى فيمن كان من أكابر الوزراء والنّدماء ومن أعاظم المهاجرين والأنصار رزقهم الله سبحانه الإنصاف حتّى لا يسيؤا الظّنّ بأكابر الدين ولا يؤاخذوا بكلّ كلمة وكلام بلا فهم. بل كان مقصود الفاروق الإستفهام والاستفسار كما قال: استفهموه يعني: لو طلب القرطاس بالجدّ والاهتمام يجاء به وان لم يطلب بالجدّ لا يصدّع في مثل هذا الوقت فإنّه لو طلب القرطاس بالوحي والأمر لكان يطلبه بالمبالغة والتّأكيد ويكتب ما كان مأمورا بكتابته فإنّ تبليغ الوحي واجب على النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم وإن لم يكن هذا الطّلب بالأمر والوحي بل أراد أنّه يكتب شيئا على وجه الإجتهاد والفكر فالوقت لا يساعد ذلك. ومرتبة الإجتهاد باقية بعد ارتحاله صلّى الله عليه وسلّم والمستنبطون من أمّته يستنبطون الأحكام الإجتهاديّة من الكتاب الذي هو أصل أصول الدين فإذا كان لاستنباط المستنبطين مجال في حضوره الذي هو أوان نزول الوحي فبعد ارتحاله الذي هو زمان انقطاع الوحي يكون استنباط أولي العلم واجتهادهم مقبولا بالطّريق الاولى ولمّا لم يهتمّ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم في هذا الباب ولم يجدّ بل أعرض عن هذا الامر علم أنّه لم يكن على وجه الوحي. والتّوقّف لمجرّد الإستفسار ليس بمذموم وقد عرض الملائكة الكرام على وجه الإستفسار والاستعلام من وجه خلافة آدم على نبيّنا وعليه الصّلاة
(1) حسن صحيح: سنن أبي داود ك: السنة. ب: في الخلفاء ح 4653. سنن الترمذي: أبواب المناقب عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم. باب: فضل من بايع تحت الشجرة ح 4023. وقال: حديث حسن صحيح أحمد في المسند: مسند جابر بن عبد الله. الطبراني في الكبير: ب: السين حديث سلمة بن عمرو بن الأكوع. وقال الهيثمي: رواه البزار ورجاله رجال الصحيح غير خداش بن عياش وهو ثقة. (مجمع الزوائد ح 14949.)