وحيث كان بين الدنيا والآخرة نسبة الضّدّيّة والنّقاضة ورضاء احداهما مستلزم لسخط الاخرى يكون التّلذّذ في إحداهما مستلزما للتّألّم في الاخرى بالضّرورة فمن يكون تلذّذه وتنعّمه في الدنيا أوفر يكون تألّمه وتندّمه في الآخرة أكثر وكذلك من كان ابتلاؤه بالبليّات والمحن في الدنيا أكثر يكون احتظاظه وسروره في الآخرة بالتّنعّمات والتّلذّذات أزيد وأوفر وليت لبقاء الدنيا بالنّسبة إلى بقاء الآخرة حكم القطرة بالنّسبة إلى البحر المحيط نعم ماذا تكون نسبة المتناهي إلى غير المتناهي فلا جرم كان اللّائق بمقتضى الكرم ابتلاء الاحباب بمحنة أيّام في هذه الدار ليحتظّوا ويفرحوا بتنعّمات أبديّة وكان المناسب بموجب المكر والإستدراج احتظاظ الاعداء بتلذّذات قليلة ليبتلوا بتألّمات كثيرة (فإن قيل) إنّ الكافر الفقير الذي هو محروم في الدنيا والآخرة لم يكن تألّمه في الدنيا مستلزما لتلذّذه في الآخرة فما وجه ذلك؟ (نقول) إنّ الكافر عدوّ الله جلّ سلطانه ومستحقّ للعذاب الدائميّ ورفع العذاب عنه في الدنيا وتركه على وضعه وحاله عين التّلذّذ والتّنعّم ونفس الإحسان في حقّه ولهذا قيل لنفس الدنيا في حقّ الكافر إنّها جنّة غاية ما في الباب أنّ بعض الكفّار يرفع عنه العذاب في الدنيا ويعطى بعض التّلذّذات الاخرى أيضا وبعض آخر يرفع عنه العذاب ولا يعطى له شيء أخرى بل يكتفى في حقّه بالتذاذ إعطاء الفرصة والمهلة ورفع العذاب لكلّ ذلك حكم ومصالح (فإن قيل) إنّ الله تعالى قادر على كلّ شيء ومقتدر لاكرام أوليائه بتلذّذات دنياويّة وتنعّمات أخرويّة من غير أن يكون التّلذّذ في إحداهما مستلزما للتّألّم في الاخرى في حقّهم. (أجيب بوجوه) : (الأوّل) أنّهم لو لم يذوقوا في الدنيا بليّات أيّام قليلة ومحن أويقات يسيرة لا يعرفون قدر تلذّذات وتنعّمات أبديّة ولا يدركون قدر نعمة الصّحّة والعافية الدائمة كما ينبغي نعم من لم يجع بطنه لا يجد لذّة الطّعام ومن لم يكن مبتلى لا يعرف قدر الفراغة وكأنّ المقصود من تألّمهم الموقّت تحصيلهم لكمال التّلذّذ الدائميّ وظهر الجمال في حقّ هؤلاء الاكابر بصورة الجلال لابتلاء العوامّ يضلّ به كثيرا ويهدي به كثيرا. (والثاني) أنّ البليّات والمحن إن كانت عند العوامّ من أسباب التألّم ولكن كلّما يصيب من الجميل المطلق فهو من أسباب التّنعّم. والإلتذاذ عند هؤلاء الاكابر وهم يجدون من التّلذّذ بالبلايا ما يجدون من التّنعّم بالنّعماء بل احتظاظهم من البلايا أكثر لكونها خالص مراد المحبوب وليس هذا الخلوص في النّعماء فإنّ النّفس أيضا مريدة لها وهاربة من البلايا فيكون البلاء عند هؤلاء الاكابر أفضل من النّعمة ويكون التذاذهم من البلاء أكثر من التذاذهم من النّعمة وحظّهم في الدنيا من البليّات والمصائب فلو لم يكن هذا الملح في الدنيا لما ساوت عندهم بشعيرة ولو لم تكن هذه الحلاوة فيها لكانت عبثا في نظرهم.
(شعر) ألا إنّ قصدي من هواك تألّمي ... وإلّا فأسباب النّعيم كثيرة
فأولياؤه تعالى متلذّذون في الدنيا ومحتظّون ومسرورون في الآخرة ولذّتهم هذه في الدنيا لا تنافي حظّهم في الآخرة والتّلذّذ الذي ينافي حظّ الآخرة هو غير ذلك ممّا هو حاصل للعوامّ إلهي ما هذا الذي