فهرس الكتاب

الصفحة 791 من 1087

جعلت أولياءك بحيث أنّ ما هو سبب تألّم الآخرين سبب لالتذاذهم وما هو زحمة على الآخرين رحمة لهؤلاء الاكابر ونقمة الآخرين نعمة لهم النّاس مسرورون في السّرور ومغمومون في الغمّ وهؤلاء الكبراء مسرورون في السّرور وفرحون في الغمّ فإنّ نظرهم مصروف عن خصوصيّات الافعال الجميلة والرّذيلة ومقصور على جمال فاعل تلك الافعال الذي هو جميل مطلق وكانت الافعال عندهم أيضا محبوبة بحبّ الفاعل ومورّثة للالتذاذ. كلّ ما يصدر في العالم بمراد الفاعل الجميل جلّ سلطانه وإن كان من إيلامهم وإضرارهم فهو عين مرادهم المحبوب لهم وسبب التذاذهم إلهي ما هذا الفضل والكرامة حيث أعطيت مثل هذه الدولة الخفيّة والنّعمة الهنيئة لأوليائك مخفيا إيّاها من نظر الاغيار وأقمتهم بمرادك دائما محتظّين ومتلذّذين ورفعت عنهم الكراهة والتّألّم وجعلتها نصيب غيرهم وجعلت العار والفضيحة اللّذين من عيوب الآخرين جمال هذه الطّائفة العليّة وكمالهم وأودعت مرادهم في عين عدم حصول المراد وجعلت التذاذهم وسرورهم العاجلين سببا لزيادة حظوظهم الاخرويّة على عكس الآخرين ذلِكَ فَضْلُ الله يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ والله ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (1)

والثالث: أنّ هذه الدار دار ابتلاء والحقّ ممتزج فيها بالباطل والمحقّ مختلط بالمبطل فلو لم يعط الأولياء المحن والبلاء بل اعطيهما الاعداء لما يتميّز الأولياء من الاعداء ولتبطل حكمة الاختبار والامتحان وذلك مناف للإيمان بالغيب الذي السّعادة الدنيويّة والأخرويّة مودعة في ضمنه. قوله تعالى (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ) وقوله تعالى (ولِيَعْلَمَ الله مَنْ يَنْصُرُهُ ورُسُلَهُ بِالْغَيْبِ) شاهد لهذا المعنى فجعل الله سبحانه أولياءه مبتلين بصورة البلاء والمحن ورمى في عيون الاعداء التّراب لتتمّ بذلك حكمة الإبتلاء والامتحان وليكون أولياؤه متلذّذين في عين البلاء وليكون الاعداء مطموسو البصيرة خائبين وخاسرين غافلين عن هذا الإبتلاء يضلّ به كثيرا ويهدي به كثيرا. وكانت معاملة الانبياء مع الكفّار أن تكون الغلبة أحيانا في هذا الجانب وأحيانا في ذاك الجانب كانت النّصرة في البدر في جانب أهل الإسلام وكانت الغلبة في الأحد في جانب الكفّار قال الله تبارك وتعالى (إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وتِلْكَ الْأَيّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النّاسِ ولِيَعْلَمَ الله الَّذِينَ آمَنُوا ويَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ والله لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ ولِيُمَحِّصَ الله الَّذِينَ آمَنُوا ويَمْحَقَ الْكافِرِينَ)

والرّابع: أنّ الحقّ سبحانه وتعالى وإن كان قادرا على كلّ شيء ومقتدرا على إكرام أوليائه بالتّنعّم الدنيويّ والأخرويّ ولكنّ هذا المعنى مناف لحكمته وعادته سبحانه وتعالى وهو تعالى يحبّ أن يجعل قدرته مستورة تحت حكمته وعادته أن يجعل العلل والأسباب نقاب جناب قدسه فبحكم النّقاضة بين الدنيا والآخرة لا بدّ للأولياء من محن الدنيا وبليّتها حتّى تكون لهم تنعّمات الآخرة هنيئة مريئة وقد مرّ في

(1) الحديد: 21

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت