فهرس الكتاب

الصفحة 8 من 1087

فتبيّن من هذا الحديث: أنّ وراء العلم الّذي أمر بتبليغه إلى الخاصّ والعامّ الّذي هو علم الشّرائع والأحكام علمين آخرين، بل علوما شتّى كما قال صلّى الله عليه وسلّم كلّها حقّ: أمّا العلم المأمور بكتمانه فهو علم النّبوّة إذ لا يعلمه ولا يقدر على حمله غير النّبىّ ولا نبىّ بعده وأمّا العلم الّذي خيّر فيه صلّى الله عليه وسلّم فهو علم الولاية وهو علم باطن الشّريعة وحقيقتها وأسرارها المخزونة المكنونة الّتى أسرّها النّبىّ صلّى الله عليه وسلّم لخواص أصحابه كما خصّ بإعلام المنافقين حذيفة (1) رضى الله عنه وهم أسرّوها إلى خواصّ أصحابهم وهلمّ جرّا لأنّها إنّما تؤخذ وتتلقّى بالأحوال الصّادقة والعقيدة الرّاسخة والاعمال الصّالحة المصحوبة بالإخلاص والنّيّة الخالصة وملازمة الذّكر ومداومة الفكر ومراقبة الحضور مع الله تعالى كذا قال خاتمة المحقّقين العارف بالله الشّيخ عبد الغنيّ النّابلسيّ (2) قدّس سرّه.

وقال أبو هريرة (3) رضى الله عنه فيما رواه البخاريّ (4) في صحيحه: «حفظت عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وعائين: أمّا أحدهما: فبثثته،

= يعش بخير ويمت بخير ويكن في خطيئته كيوم ولدته أمّه. وأمّا الدّرجات: فبذل السّلام، وإطعام الطعام، والصّلاة بالليل والنّاس نيام. قال: قل: اللهمّ إنّي أسألك الطّيّبات، وترك المنكرات، وحبّ المساكين، وأن تغفر لي وترحمني، وإذا أردت فتنة في قوم فتوفني غير مفتون. فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: تعلموهنّ؛ فإنّهنّ حقّ"وأخرجه كذلك الطبراني عن أبي رافع مرفوعا."

(1) حذيفة بن اليمان: حذيفة بن اليمان بن جابر بن عمرو بن ربيعة العبسي حليف بني عبد الأشهل من الأنصار، أسلم حذيفة وأبوه وشهدا أحدا واستشهد فيها اليمان قتله المسلمون خطأ فوهب حذيفة لهم دمه، كان صاحب سر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وله مناقب كثيرة، مات بالمدائن سنة ست وثلاثين.

(2) الشيخ عبد الغني النابلسي: هو الشيخ عبد الغني بن إسماعيل بن عبد الغني بن إسماعيل بن أحمد بن إبراهيم الدمشقي الصالحي الحنفي النقشبندي القادري المعروف بالنابلسي، عالم أديب صوفي، تولى الإفتاء والتدريس، مشارك في أنواع من العلوم، ولد في دمشق في الخامس من ذي الحجة سنة: 1050 هـ 1641 م وتوفي بها أيضا في الرابع والعشرين من شهر شعبان سنة: 1143 هـ 1731 م، من مكثرين في التصنيف، ومن مصنفاته: إطلاق الوجود على الحق المعبود، أنوار السلوك في أسرار الملوك إيضاح المقصود من معنى وحدة الوجود، بقية الله خير بعد الفناء وغيرها كثير. انظر ترجمته في: المرادي: سلك الدرر: 3/ 3038، الجبرتي: عجائب الآثار: 1/ 154، البغدادي: هدية العارفين: 5/ 590، الزركلي: الأعلام: 4/ 158159، الكتاني: فهرس الفهارس والأثبات: 2/ 150152، جورجي زيدان: تاريخ آداب اللغة العربية: 3/ 324، عمر رضا كحالة: معجم المؤلفين: 2/ 176178.

(3) أبو هريرة عبد الرحمن بن صخر الدوسي: على الراجح من اسمه حافظ الصحابة على الإطلاق ووعاء السنة اختلف في اسمه واسم أبيه على نحو ثلاثين قولا، أرجحها عند الأكثر عبد الرحمن بن صخر، مات سنة 59 هـ، وقيل: قبلها بسنة أو سنتين، قال الحاكم أبو أحمد بعد أن حكى الاختلاف في اسمه ببعض ما تقدم كان من أحفظ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وألزمهم له صحبة على شبع بطنه فكانت يده مع يده يدور معه حيث دار إلى أن مات، ولذلك كثر حديثه، وأخرج البخاري في صحيحه: 5/ 34 فتح، عن الأعرج، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «يقولون: إن أبا هريرة يكثر الحديث، والله الموعد، ويقولون: ما للمهاجرين والأنصار لا يحدثون مثل أحاديثه؟ وإن أخوتي من المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالأسواق، وإن إخوتي من الأنصار كان يشغلهم عمل أموالهم، وكنت امرء مسكينا، ألزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على ملء بطني، فأحضر حين يغيبون، وأعي حين ينسون، وقال النبي صلى الله عليه وسلم يوما: «لن يبسط أحد منكم ثوبه حتى أقضي مقالتي هذه، ثم يجمعه إلى صدره فينسى من مقالتي شيئا أبدا» ، فبسطت نمرة ليس عليّ ثوب غيرها، حتى قضى النبي صلى الله عليه وسلم مقالته، ثم جمعتها إلى صدري، فوالذي بعثه بالحق، ما

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت