ربّما يكون هجوا ومدحهم قدحا والتّعظيم والتّوقير والتّكريم الّتي كانت مستفادة من حضرته سبحانه هي عين شريعتنا الحقّة على مصدرها الصّلاة والسّلام والتّحيّة فإن كان تعظيم قلبيّ فمبيّن في الشّريعة الحقّة وإن ثناء لسانيّ فمبرهنّ هناك والأعمال والأفعال الجوارحيّة أيضا بيّنها صاحب الشّريعة بالتّفصيل فأداء شكره تعالى صار منحصرا في إتيان أحكام الشّريعة قلبا وقالبا اعتقادا وعملا وكلّ تعظيم وعبادة له تعالى يؤدّى بما وراء الشّريعة لا يكون قابلا للاعتماد بل كثيرا ما يكون محصّلا للأضداد والحسنة المتوهّمة تكون سيّئة في الحقيقة فبملاحظة البيان المذكور كان العمل بالشّريعة أيضا واجبا بالعقل وكان أداء شكر المنعم تعالى متعذّرا بدون الإتيان بها والشّريعة لها جزءان اعتقاديّ وعمليّ فالاعتقاديّ من أصول الدين والعمليّ من فروع الدين وفاقد الاعتقاد ليس من أهل النّجاة والخلاص من عذاب الآخرة غير متصوّر في حقّه وفاقد العمل أمره مفوّض إلى مشيته سبحانه وتعالى فإن شاء عفى عنه وإن شاء عذّبه بقدر ذنبه والخلود في النّار مخصوص بفاقد الاعتقاد ومقصور على منكر ضروريّات الدين وفاقد العمل وإن كان معذّبا ولكنّ الخلود في النّار مفقود في حقّه ولمّا كانت الاعتقاديّات من أصول الدين وضروريّات الإسلام لزم أن نبيّنه بالضّرورة وحيث كان تفصيل في العمليّات مع وجود فرعيّاتها أحلنا بيانها على كتب الفقه مع بيان شمّة للتّرغيب في بعض العمليّات الضّروريّة (الاعتقاديّات) إنّ الله تعالى موجود بذاته الاقدس ووجوده تعالى بنفسه سبحانه وكما أنّه تعالى موجود كان دائميّا ويكون دائميّا لا سبيل للعدم السّابق والعدم اللّاحق إلى جناب قدسه تعالى فإنّ وجوب الوجود أحقر خدّام ذلك الجناب المقدّس وسلب العدم أذلّ كنّاس ذاك الموطن المحترم وهو تعالى واحد لا شريك له لا في وجوب الوجود ولا في الالوهيّة واستحقاق العبادة فإنّ الشّريك إنّما يحتاج إليه إذا لم يكن الله تعالى كافيا ومستقلّا وذلك نقص مناف للألوهيّة فإذا كان كافيا ومستقلّا يكون الشّريك معطّلا وعبثا وهما أيضا من علامة النّقص المنافي للألوهيّة فصار إثبات الشّريك مستلزما لنقص أحد الشّريكين المنافي للشّركة فصار إثبات الشّركة مستلزما لنفي الشّركة وهو محال فشريك الباري تعالى أيضا محال (وله تعالى) صفات كاملة من الحياة والعلم والقدرة والإرادة والسّمع والبصر والكلام والتّكوين ويقال لهذه الصّفات الثمانية صفات حقيقيّة وهي قديمة موجودة في الخارج بوجود زائد على وجود الذّات تعالت وتقدّست كما هو مقرّر عند علماء أهل الحقّ شكر الله تعالى سعيهم ولم يقل بوجود الصّفات الزّائدة أحد من الفرق المخالفة غير أهل السّنّة والجماعة شكر الله تعالى سعيهم حتّى إنّ الصّوفيّة المتأخّرين من الفرقة النّاجية قالوا بعينيّة الصّفات للذّات ووافقوا في ذلك المخالفين فإنّهم وإن تحاشوا عن نفي الصّفات ولكنّه لازم على أصولهم وتبادر عباراتهم وقد زعم المخالفون الكمال في نفي الصّفات الكاملة وفارقوا النّصوص القرآنيّة بعقولهم هداهم الله سبحانه سواء الصّراط (وسائر الصّفات) إمّا اعتباريّة أو سلبيّة كالقدم والازليّة والالوهيّة كما قالوا وهو تعالى ليس بجسم ولا جسمانيّ ولا عرض ولا جوهر ولا مكانيّ ولا زمانيّ ولا حالّ ولا محلّ ولا محدود ولا متناه