لا جهة له ولا نسبة والكفاءة والمثليّة مسلوبة عن جناب قدسه والضّدّيّة والنّدّيّة مفقودة في حضرة أنسه وهو تعالى منزّه مبرّأ من والد ووالدة وصاحبة وولد فإنّ هذه كلّها من أمارات الحدوث ومستلزمة للنّقص وجميع الكمالات ثابتة لجناب قدسه وجميع النّقائص مسلوبة عن حضرة أنسه (وبالجملة) ينبغي أن يسلب عن جناب قدسه تعالى جميع صفات الإمكان والحدوث الّتي هي نقص وشرّ من القدم إلى الرّأس وهو تعالى عالم بالكلّيّات والجزئيّات ومطّلع على الأسرار الخفيّات ولا يخرج عن حيطة علمه سبحانه في السّموات والارضين مثقال ذرّة حقيرة نعم حيث كان خالق جميع الاشياء هو سبحانه ينبغي أن يكون أيضا عالما بجميعها فإنّ الخلق لا بدّ له من علم الخالق به والذين حرموا السّعادة يزعمون أنّ الله تعالى ليس بعالم بالجزئيّات ويظنّون ذلك بعقولهم النّاقصة كمالا كما أنّهم يقولون من كمال سخافة عقولهم إنّه لم يصدر من واجب الوجود جلّ سلطانه غير شيء واحد وهو أيضا صدر عنه من غير اختيار منه تعالى ويظنّون ذلك أيضا كمالا ما أجهلهم حيث يزعمون الجهل كما لا يرجّحون الاضطرار على الاختيار ومن الجهل الذي فيهم يزعمون سائر الاشياء مستندة إلى غيره تعالى وينحتون من عند أنفسهم عقلا فعّالا وينسبون الاشياء إليه ويزعمون خالق السّموات والارضين معطّلا وعند الفقير لم يوجد في العالم أحد أشدّ سفاهة من هذه الطّائفة سبحان الله وقد زعم جماعة هؤلاء السّفهاء أرباب المعقول وينسبون أقوالهم إلى الحكمة ولعلّهم يظنّون أحكامهم الكاذبة مطابقة لنفس الامر رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهّابُ (1) (وهو تعالى) متكلّم من الازل إلى الابد بكلام واحد فهو آمر ناه مخبر به والتّوراة والإنجيل والزّبور والفرقان وكذلك سائر الصّحف المنزّلة إلى الانبياء عليهم الصّلاة والتّسليمات كلّها دالّة على هذا الكلام الواحد وعلامة له وتفصيل له فإذا كان الازل والابد بهذه الوسعة والامتداد آنا واحدا بل لا مجال للآن أيضا هناك وإطلاق الآن إنّما وقع لضيق العبارة فالكلام الذي يصدر في ذلك الآن يكون كلمة واحدة بل حرفا واحدا بل نقطة واحدة وإطلاق النّقطة أيضا هناك كإطلاق الآن واقع من ضيق العبارة والّا فلا مجال للنّقطة أيضا هناك والوسعة في ذاته وصفاته جلّ سلطانه لا كيفيّة ولا كمّيّة وهو تعالى مبرّأ منزّه بذاته وصفاته من هذه الوسعة والضّيق اللّذين من صفات الإمكان (ويراه) سبحانه المؤمنون في الجنّة بعنوان اللّاكيفيّ واللّامثليّ فإنّ الرّؤية الّتي تتعلّق باللّاكيفيّ تكون لا كيفيّة بل ينال الرّائي أيضا حظّا وافرا من اللّاكيفيّ حتّى يستطيع رؤية اللّاكيفيّ لا يحمل عطايا الملك الّا مطاياه وقد حلّ سبحانه اليوم هذا المعمّى لأخصّ الخواصّ من أوليائه وجعله منكشفا لهم فهذه المسالة الغامضة تحقيقيّة عند هؤلاء الاكابر وتقليديّة عند غيرهم ولم يقل بهذه المسالة أحد من الفرق المخالفين مؤمنيهم وكافريهم غير أهل السّنّة ويعدّ رؤية الحقّ سبحانه عدا هؤلاء الاكابر كلّهم محالا ومستشهد المخالفين
(1) الآية: 8 من سورة آل عمران.