الشّريعة الحقّة ونزّلها بعض النّاس إلى التّوحيد الوجوديّ مثل قول الحسين بن منصور الحلّاج (1) : أنا الحقّ وقول أبي يزيد البسطاميّ (2) : سبحاني ما أعظم شأني. وأمثال ذلك. فالاولى والأنسب تنزيلها إلى التّوحيد الشّهوديّ وإبعاد المخالفة عنها فإنّهم لمّا اختفى ما سوى الحقّ سبحانه عن نظرهم تكلّموا بهذه الألفاظ في غلبة ذلك الحال ولم يثبتوا غير الحقّ سبحانه. ومعنى: أنا الحقّ. أنّه الحقّ دون أنا فإنّه لمّا لم ير نفسه لم يثبته، لا أنّه رأى نفسه وقال إنّه الحقّ فإنّ هذا كفر.
(لا يقال) إنّ عدم الإثبات مستلزم للنّفي وهو التّوحيد الوجوديّ بعينه لأنّا نقول: لا يلزم من عدم الإثبات النّفي، فإنّ في ذلك الموطن حيرة بحيث قد سقطت الأحكام فيه بالتّمام وفي قول: سبحاني أيضا تنزيه الحقّ لا تنزيه القائل نفسه فإنّ نفسه قد ارتفع عن نظره بالكلّيّة لا يتعلّق به حكم أصلا. وأمثال هذه الأقوال تظهر من البعض في مقام عين اليقين الّذي هو مقام الحيرة، فإذا ترقّوا من ذلك المقام وبلغوا مرتبة حقّ اليقين يتحاشون من أمثال تلك الكلمات ولا يتعدّون عن حدّ الإعتدال. وقد أشاع التّوحيد الوجوديّ في هذا الزّمان كثير من هذه الطّائفة المتزيّين بزيّ الصّوفيّة ولا يدرون أنّ الكمال فيما وراءه ويقنعون من العين بالعلم وينزلون أقوال المشائخ إلى متخيّلاتهم ويجعلونها مقتدى بها لأوقاتهم وسندا لأحوالهم ويروّجون سوقهم الكاسد بهذه التّخيّلات. ولئن وقع في عبارات بعض المشائخ المتقدّمين فرضا ألفاظ صريحة في التّوحيد الوجوديّ كان ينبغي حملها على أنّهم تكلّموا بهذه الكلمات في الإبتداء حين كونهم في مقام علم اليقين، ثمّ ترقّى حالهم من ذلك المقام وجاوزوا من العلم إلى العين أخيرا.
لا يقال هنا إنّ أرباب التّوحيد الوجوديّ كما أنّهم يعلمون الواحد فقط كذلك هم لا يرون إلّا الواحد فقط فكان لهم نصيب من عين اليقين أيضا. (لأنّا نقول) إنّ أرباب هذا التّوحيد إنّما يرون صورة
(1) الحسين بن منصور الحلاج أبو مغيث: الفارسي البغدادي الصوفي، توفي مصلوبا ببغداد سنة 309 هـ، له من التصانيف: بستان المعرفة، تفسير سورة الإخلاص، كتاب الأبد، كتاب الأحرف المحدثة والأزلية والأسماء الكلية، كتاب الأمثال، كتاب التوحيد، كتاب الجيم الأصغر، كتاب الجيم الأكبر، كتاب حمل النور والحياة والأرواح، كتاب خزائن الخيرات ويعرف أيضا بالإلف المألوف، كتاب خلق الإنسان والبيان، كتاب خلق خلائق القرآن والاعتبار، كتاب الذاريات ذروا، كتاب سر العالم والمبعوث، كتاب السمري وجوابه، كتاب السياسة إلى حسين بن حمدان، كتاب السياسة والخلفاء والأمراء، كتاب شخص الظلمات، كتاب الصدق والإخلاص، كتاب الصلاة والصلوات، كتاب الصيهون، كتاب طاسين. الأزل والجوهر الأكبر والشجرة الزيتونة النورية، كتاب الظل الممدود والماء المسكوب والحياة الباقية، كتاب العدل والتوحيد، كتاب علم البقاء والفناء، كتاب الغريب والفصيح، كتاب في: إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إلى مَعادٍ، كتاب قرآن القرآن والفرقان، كتاب القيامة والقيامات، كتاب الكبر والعظمة، كتاب الكبريت الأحمر، كتاب كيد الشيطان وأمر السلطان، كتاب الكيفية بالمجاز، كتاب الكيفية والحقيقة، كتاب كيف كان وكيف يكون، كتاب لا كيف، كتاب المتجليات، كتاب مدح النبي والمثل الأعلى، كتاب موابيد العارفين، كتاب النجم إذا هوى، كتاب نور النور، كتاب الوجود الأزل، كتاب الوجود الثاني، كتاب هو هو، كتاب الهيا كل والعالّم والعالم، كتاب اليقظة وبدو الخلق، كتاب اليقين.
(2) أبو يزيد البسطامي: طيفور بن عيسى بن آدم بن عيسى بن علي بن سروشان أبو يزيد البسطامي، الزاهد المشهور، توفغي سنة 264 هـ له من التصانيف: معارج التحقيق في التصوف، ورسائل أخر.